شجاعة أن تموت جبانا

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

روكى وجيرى طفلان من أطفال الشوارع. يتسكعان فى الطرقات باحثين عن مغامرة. أثناء محاولة سرقة تافهة تمكنت الشرطة من القبض على روكى بينما أفلت جيرى. دخل روكى الإصلاحية لمدة ثلاث سنوات، بعدها خرج إلى عالم الجريمة حيث تحول لأسطورة. وللمرة الثانية تم القبض عليه والحكم عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما.

■ ■ ■

فى هذا الوقت عرف رفيقه جيرى الطريق إلى السماء. توهج قلبه بمحبة الإله الواحد، وسرعان ما أصبح كاهنا يوجه عنايته إلى أطفال الحى المشردين. محاولا بكل وسيلة يمتلكها أن يبعد هؤلاء المشردين عن عالم الجريمة الذى ينتظرهم. يحاول أن يجذبهم إلى إبرشيته، ويشجعهم على ممارسة الرياضة حتى يستوعب طاقتهم فى أعمال مفيدة، وبرغم أن هذا الكاهن كان مجرد شاب فى مقتبل العمر، إلا أنه كان يعرف طريقه ويعرف غايته.

■ ■ ■

خرج روكى من السجن، كان طبيعيا أن يذهب إلى رفيقه القديم. تلقاه بالعناق والذكريات المشتركة الحميمة. المشكلة كانت فى صبيان الحى المشردين الذين ينظرون إلى روكى كأسطورة. حاول الكاهن النبيل بكل ما فى وسعه أن يجتذب صديقه القديم إلى الطريق القويم. لكن- وأسفاه- كان يحمل فى ضلوعه قلبا ميتا لا يشعر بالخوف. والأسوأ هو تأثر هؤلاء الصبية به، وجريان المال بين أيديهم من هبات روكى، الأمر الذى قاومه الكاهن بكل ما يستطيع، إذ كان يعلم جيدا أن طريق الجريمة سيؤدى بهم حتما إلى الضياع.

■ ■ ■

مضيت أشاهد الفيلم (The angels with dirty faces) بنصف عين وأنا غارق فى تأملاتى. ما أروع هذا النموذج النبيل لرجل دين يمنح الرعاية لهؤلاء المشردين الصغار. وكم أكبرته وهو يحاول أن يجتذبهم للعب كرة (السلة)، بل ويقف حكما فى المباراة. ولا يتردد أن يذهب إلى الحانة لينتزعهم منها، رعاية أبوية خالصة ودور اجتماعى رائع، لا أدرى لماذا لا يقتبسه المسلمون من إخوانهم المسيحيين؟ لشد ما أتمنى أن يأتى يوم يرعى فيه إمام المسجد الشاب فتيان الحى، ويشجعهم على ممارسة الرياضة وفعل كل مفيد. هذا هو جوهر الدين، النفع لك ولغيرك، وهل هناك ما هو أنفع من أن تهدى للمجتمع شبابا صالحين؟

■ ■ ■

لن أطيل عليكم. كان محتما أن يصطدم الكاهن مع صديقه القديم. كان فى منتهى الحزم وهو يطلب منه أن يدع الصغار وشأنهم، ولا يفسد عليه كل ما زرعه فيهم طوال السنين. روكى استجاب لصديقه القديم على الفور، فبرغم قلبه الميت وانغماسه فى عالم الجريمة، إلا أن نقطة النور فى روحه كانت محبته الخالصة للكاهن، وحقيقة أنه لا يستطيع أن يرفض له طلبا. لكن- وأسفاه- تورط روكى فى القتل، وتم القبض عليه والحكم بالإعدام.

■ ■ ■

كان ختام الفيلم هو أروع ما فيه. ذهب الكاهن إلى صديقه القديم ليطلب منه أغرب طلب فى العالم. أن يتظاهر بالجبن والفزع لحظة إعدامه على الكرسى الكهربائى. ذلك أن أطفال الحى ما زالوا ينظرون إليه كأسطورة، فإذا نشرت الصحف جبنه وتراجعه لحظة الموت، فإن هذا كفيل بأن يبعدهم عن عالم الجريمة.

■ ■ ■

وبالفعل، وبرغم شجاعته الفائقة وتجلده للشامتين، فإنه حقق لصديقه رجاءه الأخير. فوق الكرسى الكهربائى راح يتظاهر بالذعر والجبن، ويتوسل إليهم أن يرحموه. وحده الكاهن كان يعلم أن جبنه الظاهر كان فى حقيقته شجاعة تعجز الكلمات عن وصفها. ولعل ذلك الموقف النبيل كان تكفيرا له عن كل ما ارتكبه من آثام.


aymanguindy@yahoo.com

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق