صناعة الهتيفة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى لقطة لأحد افراد الجالية المصرية يهتف فى اليونسكو باللغة الفرنسية «تحيا فرنسا ولا لقطر». كما تناقلت هذه المواقع صورا ومعلومات وأحيانًا آراء فيما يتعلق بتاريخه القصير الخاص بالمشاركة فى فعاليات عامة أو إعلامية مختلفة. والحقيقة هى أن هتاف الرجل فى ذاته لا يهمنا؛ ولا يعنينا بأى شكل الخوض فى تاريخه أو حتى تحليل مواقفه٬ إنما ما يهمنا فقط هو تحليل ظاهرة «الهتيفة» التى عرفتها مصر فى عصر مبارك٬ والتى انتشرت بشكل مبالغ فيه٬ وإن كان مختلفا٬ فى الوقت الراهن.

فعليًا٬ انتشرت فكرة هتافات المأجورين فى عهد مبارك فى المحافل أو الزيارات الداخلية التى كان يقوم بها٬ أو بعد بعض الخطب التى كان يلقيها٬ فكانت مشاهد بائسة لا يخيل على أحد عدم صدقها ولا يأخدها إلا القليلون على محمل الجد. كما انتشرت فى عهده ظاهرة البلطجية الذين لعبوا دورًا رئيسيًا فى تخريب أى ممارسة ديمقراطية٬ خاصة فى أوقات الانتخابات٬ وزادت الاستعانة بهم بشكل مرعب فى الانتخابات البرلمانية لعام 2010 التى لم تشهد تزويرًا فحسب بل أيضًا أعمال بلطجة وترويع مع سبق الإصرار والترصد. وقد وصل الأمر الى ذروته يوم 28 يناير 2011 حين امتلأ ميدان التحرير بهتافات التأييد لمأجورين وبلطجية اقتحموا الميدان بشكل دموى مشين.

والحقيقة هى أن ظاهرة الهتيفة أخذت فى السنوات الأخيرة ملمحًا مختلفًا حيث قل الاهتمام بمثل هذه الهتافات فى الداخل نظرًا للشرعية الداخلية التى تمتع بها نظام ما بعد 3 يوليو فى بدايته من ناحية٬ ونظرًا للإغلاق الفعلى للمجال العام بعد ذلك من ناحية أخرى٬ وإنما ركزت السلطة الجديدة على محاولة تأكيد شرعيتها خارجيًا باصطحاب مجموعات مختلفة امتزج فيها المؤيدون الحقيقيون بالهتيفة والمنافقين والمرتزقة. والمشكلة هنا هى أن اصطحاب النظام لمجموعات من الهتيفة أو طلبه أخرى لإبداء ترحيبها به فى الخارج تكرر فى مشهد شكل تقليدًا جديدًا أفقد البلد كثيرًا من رونقه وهيبته٬ بل هز صورة النظام الخارجية أكثر مما حسنها.

وبمرور الوقت أصبح الهتاف فى الخارج لتأييد النظام مهنة من لا مهنة له٬ وأصبح الإدلاء بتصريحات وهمية مؤيدة للنظام فى الإعلام من الخارج عملا وطنيا لا يقابل بالاستهجان طالما أن صاحبه يؤيد ولا يعارض. ومن ثم أصبحت المحافل الدولية التى تشارك فيها مصر فرصة ذهبية لإظهار الولاء و«التمحك» فى المسؤولين، والهتاف فى مشهد يقترب من عصور مرت وولت فى باقى دول العالم. أما الكارثة الكبرى فهى أن هؤلاء صاروا معبئين بخطاب سطحى فى بعض الأحيان٬ وتحريضى فى كثير منها، امتصوا مفرداته من بعض إعلاميى النظام أو مطبليه. وهنا٬ من أحضر «العفريت» لن يستطيع إخراجه. فمن كان يأتى للتأييد والهتاف بالأمر المباشر أصبح «يتبرع» بذلك من دون سؤال مستخدمًا نفس اللغة الإعلامية غير المهنية وغير المنضبطة فى مشهد صنع٬ ومن المتوقع٬ أن يصنع٬ مستقبليًا٬ مزيدا من الفضائح الدولية.

لذا وأخيرًا٬ حان الوقت للتفكير الجدى فى «ظاهرة الهتيفة»٬ وإدراك حقيقة بسيطة؛ أن ضررها والحرج الناجم عنها أكبر بكثير على النظام مما يتصور٬ وأنه لو لم يعلن صراحة عدوله عن صناعتها فإنه لن يتمكن٬ من الآن فصاعدًا٬ من كبح جماحها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق