وقاحة أم ابتزاز؟

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى توقيت متزامن، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن نيتها عدم إجلاء قواتها من الأراضى السورية، والتخطيط للإعلان عن قيام سلطة جديدة فى الشمال.. وفى محاولة لإيجاد ذريعة للبقاء، قال وزير الدفاع، جيمس ماتيس، إن قوات بلاده لن تنسحب من الأراضى السورية قبل انتهاء عملية جنيف وإتمام التسوية، الإعلان الآخر كان عن نيتها إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية فى واشنطن، بعد أن رفضت تجديد تصريح عمل المكتب بالفعل، إلا إذا دخل الفلسطينيون فى مفاوضات جادة مع إسرائيل، حسب تصريح لوزير الخارجية، ريكس تيلرسون، وتتوقف السلطة عن ملاحقة مسؤولين إسرائيليين لتقديمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية.

رئيس مجلس «الدوما» الروسى لشؤون الدفاع، فلاديمير شامانوف، اعتبر أن نية واشنطن الاحتفاظ بقواتها فى سوريا بعد تطهيرها من تنظيم داعش ستعرقل التسوية فى مرحلة ما بعد الحرب، واصفاً النوايا الأمريكية بـ(الوقاحة من العيار الثقيل)، ومشيراً إلى أن التسوية فى سوريا فى مرحلة ما بعد القضاء على الإرهاب ستبقى رهناً للعديد من العوامل ولممارسات القوى الثالثة، أى الولايات المتحدة.

فى الشأن الفلسطينى، رأى قيادى فى حركة فتح الفلسطينية أن التهديد الأمريكى بإغلاق مكاتب منظمة التحرير (ابتزاز سياسى) يخالف كل الاتفاقيات والقوانين والقرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وعملية السلام بشكل عام، ذلك أنه ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية فى إنهاء حل الدولتين، والقضاء على كل القرارات الأممية، التى تؤكد حق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

الإعلان الأول اعتبرته روسيا «وقاحة»، بينما اعتبر الفلسطينيون الإعلان الثانى «ابتزازاً»، فى الوقت الذى لم يصدر فيه أى تعليق من أى من العواصم العربية بشأن القضيتين، بخلاف فقرة تضمنها البيان الختامى للاجتماع الوزارى العربى الأخير، بناء على طلب مندوب فلسطين، نُص فيها على أهمية وجود مكتب المنظمة بواشنطن من أجل تعزيز التواصل بين الجانبين!!.

الغريب أن العرب نأوا بأنفسهم عن الصراع أو حتى الوجود العسكرى الأجنبى فى سوريا، اللهم إلا استضافة المعارضة أو بعض أطرافها، على اعتبار أن النظام الحاكم فى سوريا ليس طرفاً، سواء فى معادلة الحرب أو معادلة التسوية على السواء!!، كان من الطبيعى إذن أن يشهد منتجع سوتشى الروسى، الأربعاء الماضى، آخر اجتماعات البحث فى الشأن السورى، والذى ضم قمة ثلاثية روسية تركية إيرانية، لوضع ما أطلقوا عليه «خارطة الطريق للحل فى سوريا»، انطلاقاً من أنهم يعتبرون أنفسهم ضامنين ورعاةً للحل بمنأى عن كل العواصم العربية، أو حتى منظومة الجامعة العربية، التى علّقت عضوية الدولة السورية، وكأنها لم تعد عربية أو لم تعد على الخريطة.

بالتزامن، دخلت محادثات المصالحة الداخلية الفلسطينية بين حركتى فتح وحماس، والتى ترعاها وتستضيفها القاهرة، مرحلة حرجة يتهددها الفشل، مع عدم وجود دعم عربى حقيقى لهذه المحادثات، التى يعلق عليها الشعب الفلسطينى آمالاً عريضة، وقد جاء الاهتمام هذه المرة أيضاً من الخارج بتحذير صدر عن موفد الأمم المتحدة للشرق الأوسط، نيكولاى ملادينوف، فى كلمة أمام مجلس الأمن، قائلاً إن فشل هذه المحادثات سيؤدى إلى نزاع آخر كبير من شأنه المعاناة للجميع، ذلك أن مليونى فلسطينى فى قطاع غزة يحدوهم الأمل، على حد قوله، فى أن تحسن عودة الحكومة حياتهم.

سواءً كانت الممارسات الأمريكية فى حق السوريين والفلسطينيين وقاحة أو ابتزازا، يجب أن نتوقف طويلاً أمام الموقف العربى، الذى لم يعد يرى ما يجرى على الأراضى السورية احتلالاً أجنبياً، سواء من الولايات المتحدة أو روسيا أو تركيا، مُركزاً النظر إلى الوجود الإيرانى فقط من منطلق طائفى بحت، وفى موافقة ضمنية على الوجود العسكرى للدول الأخرى، على الرغم من أن الوجود الإيرانى ربما يكتسب شرعية من كونه استدعاءً من النظام الرسمى السورى فى مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة، وفى مقدمتها تنظيم «داعش»، الذى كان صناعة أمريكية منذ اللحظة الأولى.

وسواءً كانت الممارسات الأمريكية وقاحة أم ابتزازا أيضاً، فإن الدعم الشهرى الذى يحصل عليه الفلسطينيون من دول الخليج لدفع الرواتب والإنفاق على المرافق والخدمات كان يجب ألا يتأثر بزيارة قام بها وفد حماس إلى إيران، أو زيارة وفد من السلطة إلى قطر، أو زيارة أيهما إلى تركيا، ذلك أن القضية الفلسطينية فى حاجة إلى دعم سياسى من كل عواصم العالم، وقد كان الزعيم الفلسطينى الراحل، ياسر عرفات، يتنقل بين موسكو وواشنطن فى قمة الحرب الباردة بين الجانبين، فى سابقة لم تكن معهودة سياسياً.

على أى حال، يجب الوضع فى الاعتبار أن الممارسات العربية بحق قضايا المنطقة، وفى مقدمتها الأزمتان السورية والقضية الفلسطينية، كانت أكثر ضرراً بهذه وتلك من الوقاحة والابتزاز الأمريكى فى آن واحد، وهو ما زاد من حدة تفاقم الأوضاع على الصعيدين السورى والفلسطينى على حد سواء، ليس ذلك فقط، بل كانت دافعاً لفتح مزيدٍ من الجبهات والأزمات، التى أصبحت عصية على الإغلاق، إلا من خلال عواصم خارج المنطقة أيضاً.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق