تغييب النقاش العام

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يكفى أن تستمع لأغلب برامج التوك شو فى مصر٬ صريخ الإعلاميين الذين تحول كثير منهم لزعماء سياسيين أو مصلحين اجتماعيين أو أبواق للسلطة، كى تدرك حجم الخلل الذى أصاب منابر النقاش العام فى مصر. ويكفى أن تستمع يوميًا إلى وصلات السباب الذى يوجهه بعضهم أو بعض ضيوفهم للشعب على اعتبار أنهم جهلاء (هكذا مرة واحدة) وأن المشكلة فيهم، أو على اعتبار أنهم مثيرون للاشمئزاز، كى تدرك قدر الكارثة التى أصابت أهم المنابر المتاحة للجدل العام. بل ويكفى أن تتابع الطريقة التى تناولت بها المنابر الإعلامية الحوارية والعديد من صفحات الجرائد أو بعض أقلام الرأى حادث مسجد الروضة الإرهابى المروع، الذى راح ضحيته مئات من الأرواح البشرية، كى تتأكد أن عملية تغييب النقاش العام الجاد هى عملية شبه ممنهجة وإن كانت غير مجدية.

ليس هذا هو الحدث الإرهابى الأول فى مصر٬ ولا الأول فى سيناء٬ ومع ذلك ليس هناك من يتواصل معنا بشفافية لإعلامنا عن الصعوبات التى تحول دون الحد من الإرهاب فى مصر. وبما أننا أمام الحادث الإرهابى الأكبر والأضخم من حيث حصيلة الضحايا البشرية٬ فإن التعامل مع المجتمع باعتباره مكونا من مواطنين لا رعايا لا يستلزم فقط إعلامنا ببواطن الأمور، بل أيضًا السماح بنقاش شفاف يخرج عن رطانة الروايات الجاهزة والمعدة سلفًا على غرار أن مخابرات دول بعينها نظمت هذا الحادث٬ هكذا ببساطة٬ من دون معلومات ولا دلالات مقنعة، على الرغم من أن هذا على أى حال لا يعفى من مناقشة الإشكاليات الأمنية فى مواجهة الإرهاب٬ ولا يغنى عن تحليل أسباب تفشى هذه الظاهرة القبيحة٬ وطرق علاجها.

فلمصلحة من يتم التعامل مع الإعلام المصرى باعتباره وسيلة لنقل تصورات معينة للسلطة بدلا من التعامل معه باعتباره ساحة للنقاش الجاد والحقيقى حول القضايا الراهنة؟. يعتقد البعض أن السماح بالنقاش العام الحر والنقدى حول القضايا الملحة هو من قبيل الرفاهية٬ ولكنه تصور خاطئ تمامًا لأن المجتمعات التى تطورت هى تلك التى وفرت جوا من الحرية سمح للمتخصصين وغيرهم من المهتمين بالشأن العام بالتعبير عن أطروحاتهم النقدية بلا خوف أو تخوين٬ وطرح تصوراتهم أو سياستهم البديلة فى جو من الثقة والتعاون المتبادل. فلا يمكن التوصل إلى أفضل الحلول سوى فى ظل مناخ من الانفتاح٬ وقبول الحجة والحجة المضادة٬ فهذا هو الذى يدفع إلى تقدم البلاد تلك التى تعتبر أن للنقاش العام دورا ووظيفة٬ فلا توظفه أو تسطحه. ويكفى أن تنظر إلى مستوى النقاشات العامة حول القضايا الحيوية فى بلد مثل تونس٬ ومستوى الحرية المتاحة للفاعلين والمتخصصين كى تدرك حجم الأزمة الحالية فى مصر.

والحقيقة هى أن عدم السماح بمثل هذا الجدل٬ وعدم منحه كل الفرصة كى يحل محل التفاهات التى تسيطر على المناقشات العامة٬ ومحل السطحية التى تسيطر على تناول أغلب القضايا الاقتصادية والسياسية والأمنية فى مصر يزيد من فرص انتشار الاجتهادات الشخصية غير المنضبطة والمضرة على غرار تفتق ذهن البعض عن دفع تلامذة فى إحدى المدارس بمحافظة الدقهلية لتمثيل وتقليد مشاهد حادث مسجد الروضة المرعبة والمؤلمة٬ وإقحام تحليلات غير دقيقة فيها.

لذا وأخيرًا نؤكد أن السماح بالجدل والنقاش العام النقدى هو أقصر الطرق للنجاح، والعكس صحيح٬ فهل من يسمع؟.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق