جوهر المأساة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب :د.أمانى فؤاد

حين اخترقت الرصاصة صدرى تهاوت معى الآيات التى كنت أتلوها فى صلاتى على أرض المسجد، اختلطت جميع معانيها وتفسيراتها فى مشهد عبثى، بأيّها أؤمن وبأيها يؤمنون؟ أبنفس الآيات أتعبد وتجمعنى بهم رابطة الدين الواحد، ويتعبدون؟! بأى السور يستبيحون دمى وإزهاق روحى؟! أيعتقدون بإسلام له آياته وأحاديثه وتفسيراته وأعتقد أنا بآخر؟! لماذا كل هذا التناقض الذى يصل لحد قتلى أنا وكل تلك الجموع؟ لقد هتف هذا الكائن المشوه باسم الله، أىّ إله هذا الذى يستعين به لقتلى وقتل الآخرين، الإله الذى أعرفه محبة وتسامح وغفران، إله آخر بلاشك. فمن الذى يهتف باسمه هؤلاء؟!

لنتحدث عن جوهر مأساتنا بصدق، إن أردنا حلولاً حقيقية لما بتنا نعانيه كلّ يوم وكلّ ساعة.. تتضمن بعض تأويلات الدين الإسلامى الموروثة- التى لم تزل تجلياتها تعيش بالحاضر- كثيرا من المعتقدات والتفسيرات التى تحتاج إلى مراجعة وإعادة تأويل تتسق مع تطور الفكر الإنسانى وانفتاح الرؤى، وتحقيق هذا المطلب بحاجة لموقف سياسى شجاع يصمد أمام المواجهات ويقود هذه المراجعات المصيرية ويصرّ عليها، سلطة ذات زعامة تقود المثقفين وتضع للمحور الدينى فى حياة الجموع أرضية أخلاقية يُبنى فوقها، لا أن يستفحل وجوده بهذا الشكل حتى يصبح الدين وبعض رجاله كأنّهم الكفيل الفكرى لكل إنسان، فللبشر عقول قادرة على الاختيار إن أُعدت بشكل لائق صحيح.

ربما بدت بعض مؤسسات الدولة الدينية وكأنّها دول مستقلة داخل الدولة، يشغلها فقط استحواذها على وعى الجموع ومكاسبها، لا تعتد كثيراً بما تتطلبه اللحظة التاريخية من تطور ولا السلطة الحاكمة من تصحيح خطابها، مع ملاحظة أنّهم غير مؤهلين لتغيير الخطاب الدينى ولا إنجاز معارك الدولة ضد الإرهاب، فضلاً عن القضايا الاجتماعية الأخرى.

كيف يمكن أن نحارب الفكر التكفيرى ونهادن سوء تفسير معنى الجهاد فى سبيل الله من قبل الأصولية الإسلامية والسلفيين وتكفير الأقباط المسيحيين وإشاعة مناخ الكراهية بين مواطنى الدولة؟.. يستوجب هذا الخطاب عقاباً صارماً فى أى دولة تلتزم بالدستور والقانون. فمثل هؤلاء البشر يعيشون خارج التاريخ غير مبالين بكل ما وصلت إليه مواثيق حقوق الإنسان. يجب السيطرة على مناخ العنف والكراهية، وعدم السماح لجماعات ذات خلفيات تكفيرية بالتأثير فى جموعٍ من بسطاء الناس والانضواء تحت تياراتهم الإقصائية التى عفا عليها الزمن.

يجب ألا يكون هناك تراخٍ أو تفاوت بين قدرة الدولة المصرية وجيشها المصنف العاشر عالمياً ودرجة ملاحقة الفئات المجرمة من الإرهابيين وتصفيتهم فى معسكرات تدريبهم فى أى بقعة داخل مصر أو خارجها. فلنستدعِ من الذاكرة العمليات العسكرية التى قامت بها أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وصنيعها مع الدول التى شكّت فى احتضانها لإعداد وتدريب تلك الجماعات الإرهابية.

وعلى المجلس المنوطة به عملية مكافحة الإرهاب رسم استراتيجية واضحة دقيقة وصريحة لتفعيل الحرب على الإرهاب ومواجهته بدلاً من الإجراءات التى أثبتت محدوديتها على أرض الواقع وعدم قدرتها على إيجاد حلول نهائية لجوهر المشكلة وتجاوز الثغرات السابقة.

وللتعليم والثقافة والعدالة الاجتماعية صلة مباشرة بجوهر عملية مكافحة الإرهاب، يجب ألا تكون فى مرتبة متأخرة فى أولويات الإصلاح المصيرية، فبناء العقول البشرية والارتقاء بوجدانها وأذواقها أسبق وأهم فى الأولويات من بناء المدن والجدران الصمّاء، فتكوين العقليات المفكرة المبدعة الناقدة المتصالحة مع نفسها ومع المجتمع يمكن لها أن تكفينا كثيراً شرّ جماعات عدوانية أقل ما يمكن أن توصف به أنها من نفايات الإنسانية.

ينقصنا أن نفعل بصدق والقدرة على المواجهة، لا كأننا نفعل وكأننا نواجه.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق