عتمة 2017 وبصيص 2018

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اليوم هو الأول من أيام العام الجديد. وكل ما أتمناه قدر من الواقعية وقليل من المنطقية. ودون إفراط فى يأس أو إغراق فى أمل، أقول إنه لن يكون عامًا سهلاً، وإن كنت أتعلق بتلابيب الأمل فى أن نواجهه بمنطق قتلناه، وتعقل اغتلناه بهسهس بعضه استوردناه والبعض الآخر ابتدعناه.

العام الجديد لن يشهد على الأرجح توقفًا للعمليات الخسيسة فى مصر أو وأدًا للتفسخات العنيفة فى المجتمع، لكن حفاظًا على بقايا العقل والمنطق، وإبقاءً على المرارة من الفقع أوجه مناشدة لكبار رجال ونساء الدولة بالتوقف عن «مجاملات» «نشجب وندين الإرهاب» ونثق فى مصر والمصريين «وغيرها من عبارات تشغل مساحة» على الفاضى فى الإعلام. فيفترض أن يكون الوزير أو المسؤول أو الشيخ أو القس حزينًا لما جرى وواثقًا فى رفعة الوطن دون الحاجة لأن يشهر ذلك عبر الإعلام.

إعلام الناس فى 2018 بأن مجلس النواب يفكر أو يناقش أو يفند- ناهيك عن أن يصوت- لصالح قوانين لا يمكن وصفها إلا بالفانتازيا ستكون له عواقب وخيمة. فإما أن البعض سيصدق أنه يمكن مثلاً القضاء على الإلحاد بالقانون وفى هذا عته كبير وسفه عميق، وإما أن البعض سيفقد الأمل تمامًا فى أن تخرج مصر مما هى فيه من حفر فكرية ومطبات ثقافية، وفى هذا خسارة لا داعى لها. ولو شعر السادة الأفاضل ممن يمثلون المصريين فى مجلس النواب باحتياج شديد وعوز رهيب لمناقشة والمصادقة على قوانين تتعلق بالعقيدة، فليكن مقترح قانون مواجهة التدين بنسختيه الإرهابية/ الجهادية، والأخرى التى تعانى أعراض الفصام وترزح تحت آفات المسخ والقبح. فإذا كان عام 2017 شهد جهودا من اللجنة الدينية فى المجلس الموقر لسن قانون لمكافحة الإلحاد، فليشهد عام 2018 مناقشة لمواجهة التدين الذى جعل من المصريين شعبًا متدينًا بالفطرة والمظهر لكنه أكثر شعوب الأرض تحرشًا ومن أعلى نسب اقتراف عمليات النصب واحتراف منظومة الفساد وتحويل البلاد إلى عشوائيات منظمة وممنهجة.

منهج تمنى اليمن والبركات فى العام الجديد منهج جميل ولطيف وظريف، لكننا لا نملك هذه الرفاهية. وأرى أنه حان الوقت لتبنى منهج يحمل قدرًا من الواقعية. ولنستهل العام ونحن على يقين بأن فكرنا مشوش، واقتصادنا صعب، وتغلغل الفكر الدينى المستورد والممصر ليلائم جيناتنا متمكن من قلوب وعقول ملايين، والساحة السياسية فى وضع يرثى لها حيث لا أحزاب ولا أفكار، فقط هبد عنكبوتى ورزع تنظيرى، والأوضاع الإقليمية تتربص بنا وتشل حركتنا. لكن هذه العتمة لا تخلو من منابع ضوء.

وبدلاً من تجفيف هذه المنابع وخنقها وتخوينها، أتمنى أن يطلق سراحها فى العام الجديد. صحيح أن المؤشرات تدل على العكس، ولكن ما الضرر فى أن نتمنى أن يشهد عام 2018 صحوة فكرية لأولى الأمر تفسح المجال لإعلام متعدد الأصوات؟! المؤكد أن هؤلاء الأولياء يعلمون علم اليقين أن إعلام الصوت الواحد لن يستمر وإن طال، ولن يصل إلى قلوب وعقول المتلقين وإن تابعوه.

المتابعون للساحة السياسية فى العام المنصرم شهدوا دخولها مرحلة الموت السريرى. غيبوبة الأحزاب- سواء لذنب اقترفته أو اقترفه غيرها، مع الأداء الغريب والعجيب والفريد فى داخل مجلس النواب وتحوله كيانًا لا تخرج عنه إلا الطرائف والغرائب، أو عبارات الشجب لما هو مشجوب والتنديد لما هو مندد به، وتضييق المساحات المتاحة للكتاب المعبرين عن توجهات مختلفة ورؤى مغايرة وغيرها كانت سمات سياسية فى عام مضى.

وحتى يكون العام الذى أتى أفضل مما مضى، نتمنى أن تخرج الأحزاب من الغيبوبة ويساعدها فى ذلك «أطباء» الرعاية السياسية المركزة، فقد تقدم العلم كثيرًا وجرت عمليات إفاقة عديدة لمن كان يعتقد أنهم ماتوا أو كادوا! ولأن تعديل أو تغيير أو تحسين أداء المجلس الموقر أمر غير وارد منطقيًا، فلندعه جانبًا وندعو الله له بالهداية.

ومع الهداية تأتى الرعاية، وهل هناك أفضل وأثمن وأبدى من الرعاية للشعب؟! الشعب الذى يعانى الأمرين فى سكون وصبر وجلد يستحق قدرًا أكبر من الرعاية. ولأن الأغلبية تعرف أن الظروف صعبة، والإرهاب لن ينتهى بين ليلة وضحاها، وأن مشروعات كبرى يتم إنجازها، وأن ما تنتجه مصر لا يكفى لما تستهلكه، فإنه صابر وراض.

لكن الصبر والرضا يحتاجان قدرًا من التكتيك الاقتصادى الأفضل والتحرك الرسمى الأوقع. وما دام الإفصاح عن الرؤية الاقتصادية وما يمكن أن يتوقعه المواطن على المديين القريب والمتوسط أمر غير وارد (ربما لأن المتغيرات كثيرة وربما لأسباب أخرى تتعلق بممانعة رسمية للإفصاح)، فقليلًا من طبطبة اقتصادية ترحم من هو غير راغب فى السرقة أو النهب لكفاية احتاجاته اليومية. ومادام حال الشارع وصل درجة من العشوائية والبلطجة الشعبية نظرًا لغياب تطبيق القانون بشكل شبه تام، فالأمنية الوحيدة التى أحملها للعام الجديد هى قدر ولو بسيطا لتطبيق القانون ولنبدأ بحرب الأسفلت التى تنافس الإرهاب فى القبح والانفلات.

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق