رسالة فى حفل السنة الجديدة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اسمى خديجة، يا سيدتى، كما اختارته أمى، على اسم السيدة خديجة، تصورت أمى أن للاسم شرفا عظيما يمكن أن يمنح ابنتها المولودة بعض القوة فى مواجهة الحياة، بعد أن شفيت أمى من حمى النفاس، واختفت الكدمة الزرقاء تحت عينها اليسرى، استطاعت أن تمشى إلى مكتب تسجيل المواليد، رفض الموظف تسجيل اسمى دون حضور الأب، انكمشت أمى كأنما حملت بى سفاحا، شرحت للموظف أننى الابنة الرابعة لها، وأن أبى كان يدعو الله فى كل صلاة خمس مرات فى اليوم، طوال أشهر الحمل التسعة، أن يرزقه الله بالولد الذكر، لكن الله كان غاضبا على أمى، كما قال أبى، وأصبح الجنين فى بطنها أنثى، كانت أمى تعانى الخزى والعار بسبب غضب الله وزوجها عليها، فلم تذكر للموظف أن أبى لكمها بضربة كادت تخلع عينها اليسرى، ثم خرج ولم تعرف له عنوانا، وجاءتها ورقة الطلاق بالبريد بعد شهرين، كان يمكن أن يرفض الموظف تسجيلى لأصبح ضمن ملايين الأطفال غير الشرعيين، لكنه أشفق على أمى التى عادت للبيت مملوءة بالأمل، تقبض على شهادة ميلادى كأنما تقبض على حياتها وحياتى.

قررت أمى العمل لتعول نفسها وبناتها الأربع، لم تكن تعلمت شيئا فاشتغلت خادمة بالبيوت، أصبحت تحصل على ضعف راتب الموظف الحكومى من خريجى الجامعات، واستطاعت أن تنفق على أخواتى الثلاث وتزوجهن، وأدخلتنى المدرسة، بعد أن لاحظت حبى للتعلم، كنت متفوقة، وكان يمكن أن أكون مديرة أو وزيرة.

وأسألك يا سيدتى: كيف يسقط المبدأ الأول للعدل فى القانون، الذى يقول أن الإجبار على فعل شىء يعفى من المسؤولية، فلو أن الإنسان أجبر على القتل أو السرقة، فهو برىء، ولا يحق للقانون أن يعاقبه؟ لكنى عوقبت يا سيدتى، لأنى حاولت الانتحار، كانت حياتى قد أصبحت جحيما، بعد أن ظهر أبى فجأة بعد أربعة عشر عاما من الغياب منذ ليلة مولدى، أخرجنى من المدرسة، وزوّجنى بالقوة لرجل يكبرنى بخمسة وأربعين عاما، نظير ثلاثة عشر ألف جنيه مهرا، أخذه أبى كله ليتزوج للمرة الرابعة، وقال القاضى الوقور بالمحكمة إننى متهمة بقتل نفسى، وهذه النفس ليست ملكى، بل يملكها الله الذى وهبها لى، ويملكها أبى الذى منحنى اسمه وشرف الوجود، وتملكها الدولة بصفتى إحدى رعاياها، وأصبح انتحارى انتهاكا للإرادات الثلاث المقدسة: الله، والأب، والدولة، وحكم القاضى بإعادتى إلى زوجى أو إلى السجن، واخترت السجن، لم يكن اختيارا بمعنى الاختيار، ثم مات أبى وأنا فى السجن، فأصبحت فى نظر الناس السبب فى موته، رغم أن الله هو الذى يقبض الأرواح، وأكسبتنى تجربة السجن قوة على التحدى، فنجحت فى الحصول على وظيفة عاملة نظافة بمكتب كمبيوتر، ساعدنى رئيس المكتب على تعلم الكتابة على الكمبيوتر، بعد أن اتخذنى عشيقة له فى الخفاء، كان متزوجا وله ثلاثة أبناء وحفيدان، تحملت القهر والعار حتى أصبحت ماهرة فى الكتابة على الكمبيوتر فهربت منه، واشتغلت سكرتيرة بشركة تجارية، اليوم، بلغت الثلاثين من عمرى، وأشعر لأول مرة فى حياتى أننى إنسانة حرة، لكنى أتشكك فيما تسمى الحرية، خاصة حرية المرأة، أعيش فى شقة وحدى، يراقبنى بواب العمارة كأنه أصبح ولى أمرى، لا أستطيع الترفيه عن نفسى، دون أن أتعرض لتحرش العيون، فما بال الأيادى التى تمتد إلى جسدى؟ لا أستطيع التنزه على كورنيش النيل وحدى، أحيانا يرافقنى ابن أختى الكبرى، وهو تلميذ فى الخامسة عشرة من عمره، لا بد أن أقدم له مكافأة قى كل مرة: قميص أفرنجى، أو بلوفر صوف، وقد يرافقنى أحد زملائى بالشركة، يبغى اصطيادى للسرير، لا أشعر بأى رغبة فى أى رجل، لكن الرجال ينجذبون إلىّ، أسمع من زميلاتى أننى جميلة وأنيقة الملابس والمكياج، نعم يا سيدتى، أستخدم أدوات الزينة والمكياج، مثل كل زميلاتى، دون رغبة فى التزين أو ما تسمى الأنوثة أو الجمال، أتحدث مع زميلاتى عن الحب والزواج، دون أى رغبة فى الحب أو الزواج.

ليلة الأمس فى حفل السنة الجديدة كنت أرقص، وأضحك، وقلبى ينوء بالحزن، وجهى يختفى تحت المكياج، طبقة من المساحيق والألوان، فجأة تراءى لى وجهك فى الضوء البعيد يا سيدتى، رأيته كما فى الحلم، وجها نظيفا مغسولا بلا مساحيق ولا ألوان ولا زينة، وهل تتزين امرأة لم تعد بحاجة للزينة؟ حين تزين المرأة وجودها بالعلم والأدب هل تحتاج إلى زينة؟ أما أنا يا سيدتى، فلم تمنحنى الحياة الفرصة لتحصيل العلم أو الأدب أو الفن أو حتى الذكريات السعيدة، لا أملك شيئا له قيمة إنسانية أزين به وجودى، فلماذا لا أضع أحمر الشفاه والكحل على جفونى؟ أنا أزين وجهى يا سيدتى لأغطى على بؤس حياتى وأحزان عمرى؟

قرأت رسالتك يا خديجة. أنت إنسانة موهوبة، لا شىء أجمل من الألم حين ينتج هذه الكلمات المبدعة فى بساطتها، ليس المهم أن تكونى وزيرة، فكم من وزراء لا يملكون هذه القيمة الإنسانية التى تملكين، فاغسلى عن وجهك المساحيق، أنت لا تحتاجين أى زينة، يكفى أن تكتبى حياتك بصدق.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق