كشف حساب 2018

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كتب الدكتور حاتم العبد

بعد أن حزمت 2018 حقائبها، واستعدت للرحيل، وأبت إلّا أن تغادرنا، رغم توسلات البعض ورجاءات البعض الآخر بالبقاء، ما هي إلا سويعات تفصلنا عن 2019، يعتصرني الألم ويكاد يفتك بي الحزن على فراق 2018، وتذكرت عندما سافرت إلى فرنسا نهاية عام 2006 لدراسة الدكتوراه، وخرجت أنا والزميل العزيز طارق زغلول إلى أشهر ميادين مدينة ليون بل فرنسا كلها، ميدان بلكور (Place Bellecour)، ليلة رأس السنة، لاستكشاف طرق احتفال الفرنسيين بالعام الجديد 2007 واستطلاع مسلكهم والوقوف على عاداتهم وتقاليدهم في مثل تلك مناسبات، وكيف أنهم يهنئون كل من يقابلونه، عرفوه أم لا، بجملة سنة سعيدة وصحة جيدة Bonne année et bonne santé ولربما بلغ الفرح والسرور والحماس ببعضهن مبلغه، فتطبع قبلتين على وجنتيك، دون سابق معرفة، لتقف مذهولا غير مُصدق بل غير مُبال بلفحات البرد القارس وسط الميدان الفسيح، واضعا يدك على وجهك، متحسسا آثار تلك العفوية، عازما على ألّا يقترب الماء من وجهك لئلا يزيل آثار البرفان الفوّاح، الكل كان في تلك الليلة مسرورا مبتهجا، لكن ما لفت نظرنا، واسترعى انتباهنا هو وجود مظاهرة، قليلة العدد، لكنها عظيمة المعنى وعميقة المغزى، مظاهرة ضد رحيل 2006 وضد قدوم 2007، اعترضوا على 2007 حتى قبل التعرف عليها، والحكم على أجندتها وبرنامجها...

أجدني أنحى ذات المنحى، وأعيش فلسفة المظاهرة الفرنسية في نهاية 2006، بل أطلب العون والمدد، يجب أن نصطف جميعا إن لم يكن لمنع قدوم 2019، فلتحية 2018 ولشكرها على ما قدمته لنا طيلة فترة وجودها معنا، ولعل دعوتي جدّ محمودة، ومسلكي جدّ مبرر، ولهما من الحجج ما يؤيدهما، ومن الأسانيد ما يعضدهما... ولنلقِ نظرة أخيرة على 2018 ولنقرأ كشف حسابها...

لن نتوقف عند سنن الكون، وقوانين الطبيعة، من ميلاد أو وفاة شخص مهما بلغ تأثيره على الإنسانية، أو عند ظاهرة كونية لم يكن بيد 2018 فعل شيء، ولكن عملا بالقول المأثور، إن الحياة لن تتوقف عند وفاة شخص، وإن الأشخاص إلى زوال، والأوطان إلى بقاء.

وإذ بنا نقف على أعتاب السنة الميلادية الجديدة 2019، وقبل أن نحتفي ونحتفل بها، نود أن نودع سنة 2018 بقراءة في كشف حسابها، والتعلم منه. كانت 2018 مليئة حافلة بالأحداث الجسام، والتطورات النوعية، ما يستوجب منا الوقوف عندها سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المصري.

يطيب لنا أن نتذكر معا أهم تلك الأحداث باقتضاب، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. ولنبتدئ بكشف حساب الساحة الدولية، يعقبه كشف حساب الوضع الإقليمي، ثم نعرج في النهاية على الأحداث المصرية.

زخرت الساحة الدولية واكتظّت بالأحداث المثيرة والتغيرات الفاعلة والتطورات المتلاحقة على مدار 2018.

بدأت السنة المنصرمة شهرها الأول باتساع رقعة الانتفاضة الفلسطينية، والتي اندلعت عقب القرار العبثي لدونالد ترامب، بالاعتراف اللقيط بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، مع تمادي اضطراب السلم والأمن الدوليين جراء العبثية الترامبية، أيقن الكونجرس الأمريكي أن ثمة شسوع فرق بين النظري والعملي، بين القول والفعل؛ فتحرك وبعدما استحوذ الديمقراطيون من جديد على الأغلبية، وقام بعزل الرئيس ترامب، ذلك الأخير الذي لم يعِ يوما أبجديات السياسة ولم يترب عليها، ولَم يشب على تعاليمها ولم تطأ قدماه قط مدارسها...

توسط العام المنصرم اضطلاع المنظمة الدولية وفي القلب منها مجلس الأمن، بمهمتها الأساسية وهي حفظ السلم والأمن الدوليين، وذلك بمعالجة آثار القرار الترامبي والبدء في مفاوضات الحل النهائي، حل الدولتين، والتأكيد على أن القدس هي عاصمة أبدية لفلسطين.

على المستوى الإقليمي، لم تبخل علينا 2018 بفيض كرمها، إذ زادتنا من الشعر بيتا؛ فحدثت الانفراجة الكبرى في العلاقات المصرية التركية، وزاد معدل التبادل التجاري بين القطبين المحوريين الإقليميين وتعززت الأواصر السياسية بينهما، بعدما تعهدت تركيا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمصر، الأمر الذي صادف قبولا، ولاقى رواجا في مصر على المستويين الرسمي والشعبي.

على المستوى العربي، فطن العرب جميعا والفاعلون منهم خصوصا، للخطر المحدق والتهديد الحالي الذي يحيق بهم بتوطيد علاقاتهم مع الغرب خاصة الولايات المتحدة على حساب الأشقاء، والارتماء في أحضانه، ولكارثية الالتحاف بالعباءة الغربية، فكانت أن توحدت كلمتهم، واجتمع صفهم، واصطفّ رأيهم، وتوحدّ قرارهم، فأضحوا قوة يخشاها الجميع؛ الأمر الذي كان له أثره في تحجيم النفوذ الإيراني وأذرعه في المنطقة...

بلغ بهم الأمر مبلغه، بأن يتوجوا جهودهم ويحققوا حلم شعوبهم وبدأوا بالخطوات الفاعلة لتحويل جامعة الدول العربية إلى الاتحاد العربي، على غرار الاتحاد الأوروبي، والتفكير جديا في العملة الموحدة والتي سيطلق عليها عربي.

عطفا على ما سلف، كانت السمة الغالبة للعام 2018 هي عودة العلاقات المصرية العربية لسابق عهدها لاسيما علاقة مصر والسعودية والإمارات بالشقيقة قطر، وغلق الطريق أمام من يريد بأمتنا العربية الفرقة والتشرذم.

تستطرد 2018 في دهشتنا، وحدة صف العرب، كانت النواة التي أجبرت إسرائيل على الدخول في مفاوضات الحل النهائي في الربع الأول من 2019، وارتبط التطبيع بالانتهاء من تلك المفاوضات وإقرار حل الدولتين.

كان للُحمة الصف العربي والجهود المضنية للدبلوماسية العربية الفضل في جلاء القوات الروسية والأمريكية عن سوريا، وكان أيضا أن تم القضاء على التنظيمات الإرهابية هناك، وكان أن وضعت المعارضة المسلحة سلاحها جانبا، واحتكم الجميع إلى صناديق الاقتراع مطلع مارس العام المقبل...

على المستوى المصري، كان أهم حدث على الإطلاق هو القضاء الكامل على البؤر الإرهابية والجيوب الإجرامية بسيناء، وإعلان انتهاء الأعمال العسكرية فيها، تزامن ذلك مع البدء في عمليات التنمية...

تتقاطر الأفراح وتتزاحم في تلك السنة الاستثنائية، فمن جانبها لم تأل الحكومة جهدا ولم تدخر وسعا حتى تم الإفراج عن كل سجين رأي، ومعتقل سياسي، واعتذار الدولة عن ذلك، وتفهم المُفرج عنهم استثنائية الظروف، وتقبلهم الاعتذار الرسمي، واندماجهم في المجتمع والمساهمة في تقدم وازدهار مصرنا الحبيبة.

أبهرنا الإعلام المصري بالتمسك بميثاق الشرف الإعلامي، وقامت المؤسسات الإعلامية بإقصاء كل متجاوز عابث بهذا الميثاق، نرى تطبيقا حرفيّا ونلحظ نسخا للمسلك في المؤسسات الصحفية.
إنها سنة فريدة من نوعها، لاحظنا صرامة في الرقابة على أداء الجهاز الإداري للدولة، لمسنا ضبطا في الأسعار سيما فيما يتعلق بالمنتجات الضرورية والأساسية، لمسنا تحسّنا طفيفا في المستوى المعيشي لمحدودي ومنعدمي الدخل.

نلمس إرادة في بناء دولة القانون، اُتخذت خطوات أولية، لا أقول بكفايتها، ولكن من الممكن البناء عليها.

حقّ لي أن أقول: هذا عامي فقف يا زماني! وحقّ لي أن أعترض على مجيء 2019.


لم أكن لأفرغ من كتابة هذه السطور إلا وطالعتني رسائل الأهل والأصدقاء بالتهنئة ببداية السنة الجديدة، ويا للعجب إنها 2018 وليست 2019، أغلقت قلمي، لئلّا يجف حبره، كففت عن الكتابة، وقلت لنفسي لعله خير، علها أمنيات، عساها أن تتحقق ولعله كشف حساب مُسبق لـ 2018.


ولعله فأل خير، إضافة إلى إيجابية كشف حساب 2018 والرضا النسبي عنه، اكتشفت أنه مازال بيدنا عام كامل، لم يُنعت بعد بالماضي ولم يقدم لنا بعد كشف حساب، فهل لنا من اغتنامه؟! وهل له بمد يد العون لنا؟! وهل سيحقّ لنا أن نعترض على مجيء 2019 نهاية 2018؟!


مع قارسية برد فرنسا، وانخفاض الحرارة لما دون الصفر، أوقدت دفايات المنزل ودخلت غرفة نومي والتحفت، وأسلمت رأسي لوسادة سريري، فعانقتها...

كل عام ومصرنا الحبيبة بخير، كل عام وحضراتكم بخير وصحة وسعادة وهناء. متمنيا على الله، راجيا منه، أن تكون 2018 أفضل على الجميع من 2017 وأن يحقق الجميع فيها أحلامه وأمانيه.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق