يوميات ضابط فى الأرياف (٢)

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ما زلنا مع كتاب (حمدى البطران) الكاشف والممتع، فى أحد الاجتماعات مع مدير الأمن تشجع أحد الضباط وقالها بصراحة: ينبغى تطوير جهاز الشرطة ليكون على مستوى المواجهة. لا يمكن للمخبر الذى تعود على التعامل مع لصوص الدواجن أن يتعامل مع متطرف له قضية يموت من أجلها. بعض هؤلاء المتطرفين يتمتعون بقدرات عقلية فائقة ومقدرة هائلة على الجدل والإقناع ويحفظون القرآن الكريم وكتب الأحاديث والشريعة. وحتى حراسهم كانوا يتعاطفون معهم بل ويسمحون لهم بالخلوة مع زوجاتهم! حتى إن بعضهم تزوج وأنجب داخل السجن!

وقال الضابط أيضا: ينبغى أن يتفرغ ضباط الأمن العام للأمن الجنائى، فيما يتفرغ ضباط أمن الدولة والأمن المركزى لعمليات الإرهاب بدلا من طغيان الأمن السياسى على الأمن الجنائى، فحوادث السرقة بالإكراه زادت على المعدلات السابقة فضلا عن انتشار حوادث الخطف والاغتصاب والتحرش وسرقة المساكن نهارا وحمل السلاح علنا، وكان رد مدير الأمن المتوقع أنهم مكلفون بتحقيق نتيجة لا رسم شؤون الوزارة.

أرجو أن تتذكرـ عزيزى القارئ- أن هذه الأحداث كانت فى تسعينيات القرن الماضى، ولكن الكلام ما زال حكيما حتى اللحظة. لقد طغى أمن النظام على أمن المواطن حتى تم اختزال الوطن فى أفراد معدودين، حتى لم يعد المصرى العادى يشعر بانتماء للوطن.

وكانت النتيجة المؤلمة- كما يقول الكتاب- هى تعاطف البسطاء مع المتطرفين، وخوفهم- فى الوقت نفسه - من سطوة الشرطة. إنها لا تعدوـ فى نظر البسطاءـ مباراة بين الشرطة وبين المتطرفين، ومن ينتصر سيقدمون له الولاء! لذلك لم يندهش المأمور كثيرا عندما كانوا يدفنون بعض قتلى الجماعات المسلحة، فإذا بالإمام الذى يصلى عليهم يقول: «اللهم اغفر لهم وأنزلهم جنتك فهم عبادك وماتوا من أجل إعلاء كلمتك. نويت أقيم صلاة الجنازة على أرواح (الشهداء)..الله أكبر!»

(تخيلوا أن يقول الإمام هذا أمام المأمور!).

■ ■ ■

وتنتهى الرواية بشىء كالأعاجيب. رئيس وحدة المباحث نفسه تعاطف مع الجماعات المسلحة وأبلغ النيابة عن أسماء ضباط أطلقوا النار بلا مسوغ قانونى على مشتبه فيه. كان ذلك إحراجا بالغاً للمأمور. والأدهى أنه لم يكتف بذلك بل أبلغ أسماءهم أيضا لوالد القتيل. فى الحق لم يكن المأمور غافلا عن التغيرات التى ألمت برئيس المباحث. ندرة جلوسه معا وتفضيله البقاء منفردا، إطالته الصلاة وذلك الألم النفسى الواضح كلما اضطرته مسؤوليات منصبه لفعل ما لا يرضى عنه ضميره. الضابط عانى صراعا طويلا مزمنا انتهى باعتكافه فى بيته بعد أن رفضوا استقالته من الشرطة.

وهيمن على المأمور شعور بالاكتئاب وإحساس بالفشل وأنه غير جدير بهذا المنصب وينبغى عليه أن يتركه. وبالفعل صدر قرار مدير الأمن بنقله من المركز وتعيين آخر بدلا منه.

■ ■ ■

وتنتهى الرواية التى فتحت جرح الوطن، وأثارت تساؤلات أكثر مما أعطت أجوبة. لماذا حدث كل هذا العنف وأريقت كل هذه الدماء؟ هل هو الفساد الذى بث اليأس فى قلوب الناس من إمكانية حياة نظيفة؟ أم هو تراجع دور الأزهر بما سمح ببروز الأفكار المتطرفة؟ أم هى تقاليد المجتمع المحافظ الذى يحتمل شظف العيش لكنه لا يقبل إهانة العرض؟ أم هو غياب العدل؟ أم هى كل هذه الأسباب مجتمعة؟

كتاب فى مجمله يتميز بالصدق والصراحة وحب الوطن. إننا نحب الوطن ومستعدون أن نفديه بحياتنا، حقا لا كلاما، ولكن السؤال المهم: هل يحبنا الوطن كما نحبه؟

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق