المكتبة في مواجهة التطرف

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

منذ زمن ليس بالقصير فقدت المؤسسات المصرية قوتها، فهي هشة لا فاعلية فيها ولا أداء جيد لها، ولولا تدثرها ببيروقراطية إدارية وقانونية؛ يدفع ثمنها المواطن؛ لسقطت، لأنها تعاني ضعف البنية الفكرية، ما يجعلها تتسم بالتعصب وعدم المرونة، ويسيطر عليها ضيق أفق يدفعها لرؤية الحقيقة من منظور واحد ووحيد.

استحضرت هذا الحال أثناء مشاركتي الثانية لنشاط تقوم به «مكتبة الإسكندرية»، ففي سبتمبر الماضي حضرت صالون المكتبة عن حدود القوى الناعمة لمصر وتراجعها، قابلت هناك قامات علمية ومعرفية، وأصحاب تجارب جديرة بالعرض، بينهم معارضو النظام ومّن يسعى للالتصاق به والمدافعون عنه، كان فيهم الليبرالي واليساري، الناصري والإسلامي، خلطة تنذر بمعارك وصدامات لا يمكن الاستفادة منها أو السيطرة عليها.

لكن بدأ الحوار واستمر، قيل فيه كل ما يمكن عن وضع مصر وإمكاناتها الصلبة والناعمة، وعن معوقات استغلالها، تم نقاش كبت الحريات وغياب الرؤية واحتكار السلطة، كان الخطاب علميا ورزينا لدرجة تتشكك فيها من وجود حالة استقطاب في المجتمع من الأساس.

كيف التقى هؤلاء الأضداد وانفضوا دون أن تشتعل الخلافات وتستعر؛ كيف اجتمع الكل على الرغبة في رؤية مصر أفضل دون المضي في إلقاء تهم التكفير والتخوين والعمالة؟ أعدت ذلك في جزء كبير منه لإدارة الدكتور «مصطفى الفقي» للجلسات.

فهو بالنسبة لنا المثقف الموسوعي، لكنها المرة الأولى التي أتعرف على جانب آخر فيه، حيث بدا قادرا على استحضار ثقافته واستثمارها، فيقارع الحجة بحجة، والمعلومة بأخرى دون استعراض أو تهوين، وبدا مقدرا لقيمة الأشخاص ومتابعا لدور كل منهم في مجاله، وتعامل بروح من الفكاهة امتصت كثيرا من التوتر، مع ذكاء وسرعة بديهة جعلته لا يغض الطرف عما يمكن أن يثير عواصف، فكان الفقي؛ نتفق أو نختلف مع بعض محطات تاريخه السياسي الطويل؛ مثالا لما يجب أن يتمتع به المسؤول من معرفة وتكوين ثقافي وسياسي، ليتمكن من تجميع الفرقاء، والاستفادة من التنوع.

وخلال هذا الأسبوع كانت مشاركتي الثانية بـ«المؤتمر الدولي الرابع لمواجهة التطرف»، وعلى مدار ثلاثة أيام تم بالتوازي مناقشة عوامل الثقافة والمؤسسات الثقافية والأدب والفن والمسرح والمتاحف، والإعلام إلى جانب السياسة والفكر والقانون والأمن في واقع الإرهاب، وحضرت تجارب الدول العربية من المغرب والجزائر وتونس إلى اليمن والعراق وفلسطين، وجاء الغرب ممثلا في رؤى من بريطانيا وإيطاليا وألمانيا والنرويج.

بقدر ما كانت الجلسات دسمة وثرية بقدر ما كانت مفيدة في إعادة النظر لملف التطرف بأبعاده الشاملة، وتم طرح المسارات المتعددة التي يجب التحفظ منها أو السير فيها، لم ينقص المؤتمر سوى عدم التطرق للخطوة القادمة، وخطة العمل واضحة المعالم، آليات التحرك ومضامين مشروع مواجهة هذا التحدي الوجودي.

لتبقى النقطة الأهم في أن مكتبة الإسكندرية وهي تحارب التطرف قدمت نموذجا للمؤسسة التي تتحرك بثقة، فيمثل فيها الجميع، وتتوزع بقاعتها الأدوار بذكاء، ويتم احتواء الخلاف وتضيق هوة الاختلاف، وهي صورة مناقضة للنظام الحاكم وأجهزته، التي تخشى من المخالف فتنبذه وتقصيه، وتقلق من المختلف فتتجنبه وترفضه، مما يفقد مصر ثراء وكفاءات في وقت تحتاج فيه إعادة بناء كل مؤسساتها على أسس مهنية، هذا إذا أراد التقليل من الخسائر والحد من التراجع، وإعادة تشكيل لحمة وطنية جامعة كانت ثورة 30 يونيو أفضل وآخر تجلياتها.

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق