تشابكات عفرين.. معادلة إقليمية أمريكية

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تسعى القوات التركية وما يسمى بـ”الجيش الحر” التقدم على الأرض في عفرين السورية الكردية، بموازاة دعوات دولية من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، إلى وقف القصف التركي للمدينة والقطاع المحيط بها، وإلى أن تعتبر تركيا عفرين منطقة معنية بقرار وقف إطلاق النار “في جميع الأراضي السورية”، الذي استثنى المناطق التي تضم قوات لداعش وجبهة النصرة؛ ومع الرفض التركي لذلك، تم استقدام قوات نوعية خاصة من الشرطة التركية لإطلاق “المرحلة الثانية” من العملية التي تسميها “غصن الزيتون” للسيطرة على عفرين، مع اتجاه إلى أن تتولى تلك القوات مهمة اقتحام مدينة عفرين نفسها، نظرًا لاختصاصها بالعمل في حرب المدن.

بتكثيف ناري متواصل تتقدم القوات التركية باطراد، انطلاقًا من الأراضي التركية، في محيط جنديرس – جنوب غرب عفرين- مع قصف جوي عنيف على البلدة، كفل تقدم القوات البرية، بعد 40 يومًا على بداية العملية التي لم تثمر، حتى الآن، تقدمًا بريًّا مناسبًا لطول الفترة الزمنية.

يعكس البطء البالغ لتقدم القوات التركية في عفرين خشية إسطنبول من وقوع خسائر كبيرة في المعركة، التي اتضحت استحالة حسمها بسرعة أو سلاسة، في ظل وضع إقليمي ودولي معقد، وطبيعة جغرافية تجعل من عفرين محصنة بسلسلة مرتفعات وهضاب، من ناحية أخرى تعبر اتجاهات الهجوم على الأرض عن عزوف تركي كامل عن الاحتكاك بالجيش العربي السوري، أو التماس مع مناطق سيطرته في شمال وشمال غرب حلب، وأولوية لعزل منطقة سيطرة القوات الكردية في محيط عفرين عن خط الحدود السورية التركية، فأثمر التقدم البري، حتى الآن، شبه هلال يحتوي محيط عفرين، وتقع الأراضي التركية على أعلاه ويساره.

لا ينقص اكتمال الهلال التركي الجديد ليعزل سيطرة الأكراد عن الحدود التركية بالكامل، سوى ناحية واحدة محدودة المساحة، هي منطقة شيخ الحديد الجبلية، التي تُعد في حكم المسيطَر عليها بالفعل، وحال الاكتمال سيكون الانطلاق من جنديرس هو المسار الأكثر منطقية لبلوغ عفرين، حيث إنه طريق سهلي ممهد بالفعل نحو البلدة التي تستهدف تركيا السيطرة عليها، والتي لم يعق دخول قوات الدفاع الشعبي السوري إلى محيطها المسعى التركي نحوها.

تركيا والأكراد وسوريا وروسيا.. معادلة عفرين الرباعية

في المقام الأول يكمن الدافع الأكبر لتركيا لإطلاق العملية في تعاظم القوة العسكرية الكردية بفعل الدعم الأمريكي، وقراءة تركيا لاستراتيجية البنتاجون الجديدة التي أقرت تخصيص مبلغ مالي هائل من أجل “تدريب وحدات عسكرية كردية”، فضلاً عما تسرب من خطة “مجموعة سوريا”، أمريكا وبريطانيا وفرنسا ومملكة آل سعود والأردن، بشأن توسعة القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة سيطرة الأكراد، شمال وشمال شرق سوريا.

يحمل ما سبق تركيا التكلفة الأعلى، بعد سوريا، لمجمل الأزمة السورية، ويجعلها تدفع ثمنًا باهظًا لدعمها انفلات أوضاع الأراضي السورية، في ظل عجزها القديم والدائم عن وضع حل للمسألة الكردية، التي تمثّل قنبلة جيوسياسية وسكانية موقوتة في الجنوب التركي. ويمكن القول إن العودة إلى مربع ما قبل عام 2011، أي انضواء الأكراد في الدولة السورية مع شكل من الحكم الذاتي في الإقليم الملاصق لتركيا حدوديًّا، يُعد حلاًّ مناسبًا، لولا إدراك تركيا أن الولايات المتحدة تعمل على عكسه، أي دعم وتقوية واقع مسلّح وأكثر استقلالية للأكراد، بل ومستضيف لإمكانات عسكرية أمريكية كبيرة: قواعد ومطارات ومحطّات استطلاع وتصنت، ومن ناحية أخرى تريد تركيا التوجه إلى الدولة السورية للتنسيق في هذا الشأن من موقع قوة وسيطرة، لا من موقع الطرف المأزوم الذي تساعده سوريا على تسوية موقف مهدد له ولأمنه.

من الناحية الروسية، يدرك الكرملين أن المصير بعيد المدى للعملية التركية هو، على الأرجح، جلوس تركيا على مائدة تفاوض مع الدولة السورية أولاً والولايات المتحدة ثانيًا، مع حقيقة أنه من المفيد الضغط عسكريًّا على الأكراد؛ لقطع اتصالهم العسكري واللوجيستي المتزايد بالولايات المتحدة، أو تخفيض سقفه كي لا يُقام مرتكز أمريكي كبير وثابت في الشمال السوري، في ظل الاستحالة الموضوعية لقيام روسيا بذلك بنفسها، وكذلك حليفها السوري المعني بكامل الأمر. ووفقًا لكامل المسار الروسي التركي بخصوص سوريا، منذ عام 2015، تفهم روسيا أن الحدود والأهداف “العامة” الجديدة للتحركات التركية في سوريا تدور حول كف العبء الكردي والسوري، أكثر من تحقيق الأطماع أو التقدم بشكل يحقق مصالح تركية مطلقة على حساب مصالح سوريا وروسيا، مع حضور ورقة ضغط واقعية دائمة في يد روسيا، وهي أن المحور الآخر، الولايات المتحدة وحلفاءها، انتقص وينتقص من المصالح التركية إلى حد لا يسمح بعودة تركية إليه.

من ناحية أخرى، لم تعبر التهدئة “الكلامية” التركية الأمريكية الأخيرة، بعد سلسلة لقاءات دبلوماسية ثنائية، سوى عن تأجيل من الطرفين للحظة تفاوض لاحقة بشأن منبج، القطاع الواقع غرب الفرات – منطقة الخطر بالنسبة لتركيا، والذي أنهت الولايات المتحدة النقاش حول حضورها العسكري فيه بصفته أمرًا واقعًا لن يتغير، ومن ثم أسبغت تركيا الصفة نفسها على عملية عفرين، رهانًا على نجاحها الكامل الذي سيعني عُزلة منبج عن الحدود التركية – غرب الفرات، خلف كتلتين من السيطرة التركية: قوات درع الفرات في مثلث جرابلس أعزاز الباب، والمؤلّفة من مكونات فصائل إرهابية خاضت الحرب السورية، ثم الجيش التركي نفسه في عفرين ومحيطها، ومعه “الجيش السوري الحر”.

من الناحية السورية، تكفل عملية عفرين حلحلة تدريجية للموقف الكردي “الرسمي” الرافض، دون إجماع، للبقاء تحت مظلّة الدولة المركزية في سوريا، وقد طرح منذ أشهر مشروعًا مرتجلاً، وُلد ميتًا، لما يشبه الاستقلال بدعم أمريكي، دون أن يقيه الأخير الضربات التركية، من هنا لم يستغرق التوافق مع قيادة الأكراد على دخول قوات الدفاع الشعبي السورية إلى عفرين وقتًا طويلاً، مما عبر عن إدراك قيادة الأكراد إلى أن حضور الدولة السورية على الأرض في عفرين سيمثل دعمًا لهم في مواجهة تركيا، وسيمثّل ورقة قوة لكبح وتخفيف الاندفاعة التركية التي لن تبلغ، في كل الأحوال، “مسح” الحضور المسلّح الكردي في المطلق، بل تهدف إلى الابتزاز السياسي لقوى إقليمية وعالمية بعينها؛ لأخذ ضمانات بخصوص سلاح الأكراد.

المصدر البديل

إخترنا لك

0 تعليق