صبا محمود.. رحيل في أوج العطاء

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قبل أيام قليلة وتحديدا في العاشر من الشهر الجاري غادرت الدكتورة صبا محمود عالمة الأنثروبولوجي عالمنا بعد صراع مع المرض.. وكانت العالمة الأمريكية الباكستانية الأصل الأستاذة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي قد قدمت إسهاما فكريا كبيرا فيما يتعلق بنقد العلمانية وقضايا التنوع الاجتماعي والسياسي والديني في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا مع تركيز كبير على المجتمع المصري الذي اختارته كميدان للتطبيق العملي لأطروحتها للدكتوراه التي حملت عنوان سياسات التقوى حول دور المرأة في الحركة الإسلامية وعندما تحول هذا البحث إلى كتاب فاز بجائزة فيكتوريا شاك من جمعية العلوم السياسية الأمريكية..

وكانت د. صبا قد نقلت ميدان البحث عدة مرات بين مسقط رأسها والجزائر ثم المغرب قبل أن تستقر على مصر.. تقول د. صبا عن تلك التجربة الثرية:”..كانت القاهرة حينذاك مكانا مُفعما بالحيوية والحياة مع سجالات حول أهمية العلمانية والإسلام السياسي، وماذا يعني أن تكون مسلما في العالم المعاصر، كانت شوارع المدينة تنبض بهذه القضايا، وغالبا لم أشعر أن المصريين مقيدون فيما يتعلق بالتعبير عن آرائهم الدينية والسياسية، لقد وجدت أنَّ الثقافة الشعبية في المدينة مفيدة جدا للمشروع الذي أردت العمل عليه؛ ولذا بقيت”.

إن القارئ المدقق للإسهام العلمي والفكري الذي قدمته د. صبا محمود سيدرك دون كبير جهد أنها لم تقبل بكثير من المسلمات السائدة حول الموضوعات التي استولت على اهتمامها كالمواجهة بين العلماني والديني، وقضية الأقليات في المجتمعات المسلمة وقضية المرأة وغيرها.. فكان لها مساهمات رائدة في السجالات المعاصرة حول العلمانية، وأثمرت جهودها الحثيثة عن فتح آفاق جديدة لفهم دور ومكانة الدين في الحياة العامة؛ فاستطاعت تفنيد كثير من الافتراضات السائدة حول جدل العلماني والديني.

لقد كان من اليسير جدا في ظل الترويج للإسلاموفوبيا في الأوساط العلمية في أمريكا واوروبا خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر- أن تسير د. صبا في ركاب المنددين بالمجتمعات الإسلامية.. وبالطبع فإنها كانت ستلقى ترحيبا واسعا من كثيرين، كما كان من السهل جدا عليها أن توظف مواهبها وقدراتها الأكاديمية الهائلة في سبيل تحقيق مجد شخصي، ومنفعة كبيرة، لكتها لم تسلك هذا المسلك الذي سلكه كثير ممن كان يشار إليهم بالبنان في الغرب وللأسف في منطقتنا؛ لكن صبا بدلا من أن تحذو هذا الحذو؛ عملت على تطوير فهم معمق ومطلع للإسلام فيما يتعلق بالجدل الدائر حول النظرية النسوية، والأخلاق، والسياسة.. وكان لهذا الإسهام العلمي القيم دور كبير” في تشكيل المساهمات الأكاديمية لجيل جديد من الأكاديميين الباحثين عن تطوير مقاربة مطّلعة ونقدية للدين في عصر الحداثة”.

لم تكن الدكتورة صبا محمود في حياتها الشخصية بعيدة عما تقدمه في أطروحاتها العلمية ومنجزها الفكري.. لقد كانت تجسيدا للمبادئ الأخلاقية والسياسية التي دعت لها.. وكانت الناشطة اليسارية التي غادرت بلادها إلى الولايات المتحدة قبل أن تبلغ العشرين من عمرها قد قدمت تحليلا متجاوزا للسلطة الاستعمارية وامتداده المتمثل في الأنظمة السلطوية التابعة، كما قدمت نقدا رصينا للحداثة العلمانية كما “..صاغت أطرا جديدة لفهم الذات النسوية، والذاتية العلائقية، والحرية الدينية، وإيذاء الشعور الديني، وحقوق الأقليات الدينية، والتحليل القانوني المقارن لقانون الأسرة الديني والعلماني، والتشريعات الجنسانية”.

ومن الطريف أن صبا محمود هي في الأصل مهندسة معمارية متخصصة في التخطيط الحضري.. تتحدث صبا عن أسباب هذا التحول فتقول”.. نعم كنت مهندسة معمارية لأربع سنوات، كنت منخرطةً في النضال ضد سياسة الولايات المتحدة الخارجية في أمريكا الوسطى والشرق الأوسط في ذلك الوقت، وأدركت عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بأنَّ هناك العديد من الأسئلة الملحة التي ساهمت الحرب في جلبها إلى الواجهة، والتي أنا نفسي لم أجد لها إجابة، أسئلة تتعلق بالمشهد السياسي والاجتماعي المتحول في العالم الإسلامي، وصعود السياسة الإسلامية وما يُشكّله هذا من تحدٍ بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا مؤمنين بوعود القومية العلمانية لبناء مستقبل مختلف، أصبحت الحركات الإسلامية المُعبِّر الأساسي للمعارضة السياسية في مختلف الدول الإسلامية في أعقاب الثورة الإيرانية في عام 1979″.

وتضيف د. صبا أنها عكفت على التفكير في تلك التحولات الناجمة عن هذا الصعود للإسلاميين في المشهد الاجتماعي والسياسي؛ فقررت الالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في العلوم السياسية، ولكنها وجدته ذا توجه مركزي أوروبي للغاية؛ فأدركت أنَّ هذا التخصص لن يساعدها على استكشاف نوعية الأسئلة التي كانت مهتمة بها وتضيف “كنت محظوظة بما فيه الكفاية في ذلك الوقت لألِج إلى حقل الأنثروبولوجيا الذي أصبح بمثابة تخصصي الأصلي منذ ذلك الحين”.

حصلت الدكتورة صبا محمود على العديد من الأوسمة والجوائز، بما في ذلك زمالة أكسل سبرينغر في الأكاديمية الأمريكية في برلين، وزمالتين في مركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية بجامعة ستانفورد ومعهد أبحاث العلوم الإنسانية بجامعة كاليفورنيا. وقد حصلت على منحة كبرى من مبادرة مؤسسة هنري لوسي حول الدين والشؤون الدولية، فضلا عن أكاديمية هارفارد للدراسات الدولية والمناطقية. كذلك حصلت على زمالة فريدريك بوركهارد من المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية، بالإضافة إلى برنامج باحثي أندرو كارنيجي كباحثة شابة. أخيرا حصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوبسالا في السويد عام 2013.. كما عملت كأستاذ زائر في الأكاديمية الأمريكية في برلين، ومركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية، وجامعة ليدن. ودرَّست في مدرسة النقد والنظرية في جامعة كورنيل ، وكلية فينيسيا لحقوق الإنسان، ومعهد القانون والسياسة العالميين. وقد شاركت د.صبا في عقد ندوة صيفية حول النظرية النقدية التجريبية في معهد أبحاث العلوم الإنسانية بجامعة كاليفورنيا في إيرفين. كما عملت في مجالس تحرير التمثيل الأنثروبولوجي والدراسات المقارنة في جنوب آسيا ، أفريقيا ، والشرق الأوسط ، ومجلة الأكاديمية الأمريكية للدين.

لقد كانت صبا محمود أكاديمية لامعة، ومعلمة ومرشدة متفانية لطلابها. وإلى جانب حماسها السياسي المتواصل وتحليلاتها الجادة، كانت شغوفة بجمال البراري والشعر وبهجة الطبخ واجتماع الأصدقاء والجيران حول موائد الطعام. كانت تنمّي علاقاتها مع العائلة والأصدقاء باهتمام وفرح. كما قامت بإرشاد طلابها برعاية وانتباه مميزين، حاثة لهم على تقديم أفضل ما لديهم، منصتة إليهم ببالغ الاهتمام ومستجيبة لهم دائما بكرم هائل، حاضرة بفكرها معهم دوما. في الأشهر الأخيرة من حياتها، أكدت الراحلة على قيم الفكر والمحبة، تاركة إرثا نابضا بالحياة سيستمر ويزدهر بين كل من لمست حياتهم حياتها وأعمالها.. رحم الله دكتورة صبا محمود ونفعنا بما تركته لنا من علم قيم متفرد.

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق