قانون ضد الأسرة.. وبرلمان ضد الدستور

البديل 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

“الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها”
هذا هو نص المادة العاشرة من الدستور والتي تلزم الدولة بالمحافظة على تماسك الأسرة واستقرارها وترسيخ قيمها. ولكن لما كان الله قد ابتلى الشعب المصري بمجلس نواب لا يرعى فيه دستورا ولا حقوقا، فأقر لأول مرة في تاريخ مصر تعديلا قانونيا يعاقب أفراد الأسرة إذا لم يبلغوا عن أي فرد فيهم يحوز أو يستورد أو يصنع مواد متفجرة أو مفرقعات، ليفتحوا بابا واسعا أمام انهيار قوام الأسرة التي أكد الدستور على واجب الدولة في المحافظة “على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيامها”.

والمفارقة أن النواب الأفاضل المنوط بهم ترشيد أي انحراف تشريعي السلطة التنفيذية في توسيع نطاق الاتهام والعقوبة في القوانين، يزايدون على الحكومة التي اقترحت للمادة “102 أ”، من قانون العقوبات الصادر برقم 58 لعام 1937 بهدف تشديد عقوبة حيازة أو إحراز أو استيراد أو تصنيع مفرقعات أو مواد متفجرة لتصبح السجن المؤبد أو المشدد وصولا إلى الإعدام في حالة وقوع الجريمة تنفيذا لغرض إرهابي. وقد نص التعديل الحكومي على استثناء «الزوج أو الزوجة أو أصول أو فروع الجاني» من عقوبة التستر على الجاني عملا بما هو مستقر من مبادئ القضاء والدستور التي تعلي قيمة الأسرة والحفاظ عليها، لكن النواب الأشاوس رفضوا هذا الاستثناء فيكون لدينا قانون يعاقب الابن إذا لم يبلغ عن والده أو والدته ويعاقب الزوجة إذا لم تبلغ عن زوجها، ويعاقب الزوج إذا لم يسلم زوجته للشرطة بتهمة حيازة مفرقعات وغير ذلك من هذه السيناريوهات التي لا تمت لأي قيم دستورية ولا إنسانية بصلة.

الغريب أن الدكتور على عبد العال رئيس مجلس النواب أراد أن يبرر هذا التشريع الغريب فأكد شذوذ القانون حيث قال إن المشرع يحافظ على صلة الأرحام وهو ما تم السير عليه من خلال المشروع المقدم من الحكومة، والفلسفة من ذلك عدم قطع صلة الأرحام، ولكن نحن أمام واقع مرير كشف أن التستر على الجاني يكون من أسرته والمقربين إليه «أم أو أب أو أخ ..» وفى هذه الحالة الأمر يزداد تعقيدا” بحسب “بوابة الأهرام”.

فهل الحكومة كانت حريصة على “عدم قطع الأرحام” وعلى تماسك الأسرة عملا بالمادة العاشرة من الدستور، في حين أن النواب الموقرين من أنصار “قطع الأرحام وهدم الأسرة” وتحويل أفراد الأسرة إلى مخبرين على أهاليهم حتى لا يقعوا تحت طائلة العقاب؟
ويرى البعض أن النص النهائي لتعديل المادة 102 أ من قانون العقوبات لم يحمل جديدا وأن مواد قانون العقوبات المختلفة لم تشر إلى “إعفاء الزوج والزوجة أو أصول أو فروع الجاني” من عقوبة التستر، رغم أن المحاكم ذهبت إلى عدم معاقبة هؤلاء في حالة عدم الإبلاغ عن نشاط الجاني الإجرامي، ولكن وجود نص في المقترح الحكومي للتعديل يستثني “الزوج والزوجة وأصول وفروع الجاني” من العقوبة عند عدم الإبلاغ عن الجاني ثم حذفه من النص على يد البرلمان يعني ضمانا ومنطقا أن عدم إبلاغ الزوجة عن زوجها والابن عن والده والأم عن ابنها يضعهم تحت طائلة عقوبة السجن ويجعل منهم شركاء في الجريمة.

وخطورة هذا النص، في ضوء الممارسات التشريعية التي نراها من “برلمان 2015” أنه يفتح الباب أمام التوسع في هذا المنطق المريض الذي يريد تحويل أفراد المجتمع إلى مجموعة من “البصاصين والمخبرين” الذين يتجسسون على بعضهم البعض ويشون ببعضهم البعض على غرار “مجتمع الأخ الكبير”، “حيث الحيطان لها ودان واللجان في كل مكان” كما كان يقال عن الأنظمة البوليسية في الحكم.

بالقطع لا جدال في أن الإرهاب خطرا جسيما يواجه المجتمع المصري، كما يواجه العديد من المجتمعات، ولا جدال في أن مواجهة هذا الإرهاب يحتاج إلى آليات مستحدثة وقواعد جديدة، لكن لا جدال أيضا في أن فتح الباب أمام تحويل أفراد الأسرة الواحدة إلى مخبرين وجواسيس على بعضهم البعض يمكن أن يؤدي إلى تفكك المجتمع ككل وهو خطر أكبر من الإرهاب على مستقبل الدولة ككل.

الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها الحكومة “أحن” على الشعب من نوابه. فقد أعدت الحكومة ممثلة في وزارة التضامن مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، بعد التشاور مع العاملين في مجال المجتمع المدني، لكننا فوجئنا بالنائب الموقر عبد الهادي القصبي يطرح مشروع قانون جديد للجمعيات الأهلية مليء بالمواد المقيدة للعمل الأهلي والمعادية للمجتمع المدني والموسعة لصلاحيات أجهزة الأمن في تنظيم نشاط المجتمع المدني، ليمرره البرلمان رغم الرفض الداخلي والخارجي الواسع له. وأمام هذا الرفض مازال القانون الذي أقره البرلمان في الثلاجة حيث لم تصدر لائحته التنفيذية حتى الآن رغم موافقة البرلمان عليه في نوفمبر 2016 وتصديق رئيس الجمهورية عليه في مايو 2017.

ويزداد الأمر خطورة عندما نقرأ ما قاله النائب بهاء أبوشقة رئيس لجنة الشئون الدستورية والتشريعية من أن “أخطر ما تواجهه الدولة فى هذه المرحلة، هو تلك الموجة من جرائم مستحدثة لا تستقيم مع طبيعة الشعب المصري لذلك استوجب تعديل تشريعاتها بهدف مواكبة الظروف المستحدثة بما يتلاءم مع هذه الظروف”، بحسب بوابة الأهرام، لأن هذا المنطق يفتح الباب أمام المزيد من التشريعات الشاذة التي تهدد الحقوق والحريات العامة والخاصة تحت شعار “طبيعة المرحلة” و”الظروف المستحدثة”، خاصة وأن “نواب الشعب” يزايدون على الحكومة في مثل هذه القوانين والتشريعات.

أشرف البربري

المصدر البديل

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق