هل يؤمن المتمجّدون؟

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

أصعب ما تواجهه منظومة استبداد فى هذه الحقبة من التاريخ هو الذاكرة. ليس ذاكرة البشر المهدورين؛ فهذه صارت ضعيفة مرتجة بسبب سرعة تلاحق الصفعات. الصعوبة تأتى من الذاكرة الإلكترونية. لم يعد أحد بحاجة إلى الذهاب إلى إجراءات الاطلاع على أرشيف صحيفة للوصول إلى ما كتبه أحدهم فى مناسبة ما، كل ما كتب فى زمن الإنترنت موجود بضغطة بحث، كذلك فإن مقاطع الفيديو على موقع «يوتيوب» ذاكرة صاخبة تعاند جهود أية سلطة فى هدر ذاكرة الجمهور.

ذاكرة اليوتيوب جاهزة لمقارنة ما يقوله أحدهم بعروق نافرة اليوم مع عكسه الذى قاله من قبل بنفس الحماس. مستخدمو شبكات التواصل ينشرون فيديوهات هذا «الخبير» أو ذاك المذيع فيقشرون ملابسه التى تتخلى عنه طائعة كقشرة موز!

بعضهم تحتفظ له ذاكرة «يوتيوب» العنيدة بمدائح لمبارك العائلة ثم شتائم، شتائم لثوار يناير ثم مدائح، مدائح للمجلس العسكرى ثم مدائح للإخوان فشتائم للإخوان، ثم شتائم لثورة يناير مجددًا ومدائح للمجلس العسكرى ثم للسيسى.

هل يمكن أن يؤمن إنسان بكل هذه المتناقضات؟!

بالطبع يستحيل. لكن من أسماهم الكواكبى «المتمجدين» لا يُعرِّضون أنفسهم لهذا السؤال من الأساس. هم طمحوا إلى مكانة تشبه المجد، يضعون أنفسهم فى خدمة الغالب ويحصلون على نعمته. ومن الطبيعى أن يتحملوا بعض أعباء المهنة كالقلق، وهذا إحساس مصاحب لكثير من المهن حتى غير المربحة كمهنة لاعب السيرك. البهلوان البائس قد يكلفه خطأ واحد حياته، بينما لا يفقد الرجل البوق إلا القليل من كرامته إذا أخطأ، وذلك لا يقلل من بريق الانتساب للسلطة؛ فغالبًا ما تأتى الإهانات عبر اتصال تليفونى، ويقنع المتمجد نفسه بأن ما سمعه بحق السيدة والدته سيظل سرًا بينه وبين من وبّخه، وعليه أن يحافظ على مظهر المجد، ويسعد بامتيازاته.

أنبل ما فى السلطة أنها لا تجبر أحدًا. لديها مزايا يسيل لها اللعاب، وهى تجلس فى دارها تختبر المتسابقين وتختار بكل راحة من بين الذين صبروا على التسبيح زمنًا دون انتظار جزاء، كما لو كانوا مؤمنين.

هى تعرف أنهم غير صادقين. هذا لا يهم، بل ستكون كارثة لو تم الفرز على أساس الإيمان. ستتقوض السلطة؛ فأغلبية من يديرون مفاصل أية سلطة هم هكذا، لهذا تكتفى بأن يصرخ المتمجد بما تريده وأن يبدو كما لو كان مقتنعًا. المشكلة أن التفنن فى إثبات الولاء مثل البهارات، إذا زادت عن حدها أفسدت الطبخة. حدث ذلك كثيرًا أيام مبارك، كان بعض محبيه يجرون فيسبقون ظلالهم، وتأتى مدائحهم بعكسها.

فى تلك الأيام المجيدة كان الغضب على المبالغين ينتهى بعدة شتائم تليفونية وتحذير من الحماسة الزائدة. أحدهم لم يطاوعه قلبه على الانضباط، فتلقى أوامر بعدم ذكر الرئيس ولو فى أحلامه، مع ذلك لم يؤذه أحد، واستمرت رحلته الإيمانية، ومثل لاعب سيرك متمرس ظل نجمًا خلال كل موجات التقلب، وما كان مستهجنًا من مدائحه فى البداية صار بفضل الله مقبولاً. هذا المتمجد وأمثاله لا تنقصهم الفكاهة عندما يكونون فى حلقتهم الضيقة، مثلهم مثل مشعوذى الإمبراطورية الرومانية، الذين كانوا يلتقون فلا يتمكنون من منع أنفسهم من الضحك لأنهم يعرفون أن ما يتفوهون به محض هراء.

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق