المدينة الفاضلة غير فاضلة

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

بداية أود أن أعترف أنني عشت زمنا طويلا مع مشاعر رومانسية تجاه مدينة أفلاطون الفاضلة؛ تلك المدينة التي يحكمها الفلاسفة، ويدافع عنها المحاربون، ويعمل فيها بحماس باقي أفراد المجتمع. ومن منا لا يريد أن يعيش في مدينة يحكمها من يتميزون بالحكمة وصحوة الضمير، ويدافع عنها الأشداء منا، وتكدح فيها الطبقة الثالثة لصالح الجميع. إلا أن هذه الصورة المثالية للمدينة الفاضلة تهاوت من عل بعد أن قرأت منذ أسابيع قليلة كتاب كارل بوبر «المجتمع المفتوح وأعداؤه» في إطار نادي الكتاب، الذي بدأته مع مجموعة من الأصدقاء عام 2000، ولا زال نشطا حتى الآن.

ماذا يقول كتاب بوبر؟ ولماذا نجح في إقناعي بأن المدينة الفاضلة غير فاضلة؟ وما علاقة كل هذا بما يجري الآن على أرض المحروسة؟

باختصار شديد، يتهم بوبر، في كتابه المنشور عام 1944، أفلاطون بالتأسيس والتأصيل لحكم الأقلية والدكتاتورية منذ حوالي 2500 سنة. لا يدعي الكاتب أن دوافع أفلاطون كانت غير نبيلة، حيث أنه، أي أفلاطون، كان باحثا عن مجتمع مستقر في وقت اشتعلت فيه الحروب الشعواء بين أثينا وإسبرطة. لكن الكاتب يري أن هذه النوايا الحسنة قد أدت إلى تصور خاطئ ومدينة غير فاضلة. نقطة البداية بالنسبة لأفلاطون كانت ما قاله هيراكلوتيس من أن التاريخ الإنساني ليس إلا تدهورا مستمرا لحالته المثلي الأولي. لإعادته لما كان عليه، ارتأى أفلاطون إعادة هندسة المجتمع للتخلص من مصادر عدم استقراره، داعيا بالتحديد إلى عدم الاختلاط أو الحراك الاجتماعي بين الطبقات الثلاثة، وداعيا لإلغاء الملكية الخاصة لتحقيق توزيع عادل للثروة، فضلا عن إلغاء مؤسسة الزوجية وترك الأبناء على المشاع. لاستكمال الصورة، ذهب أفلاطون إلى النظر لقيم العدل والجمال والأخلاق من منظور مساهمتهم في استقرار الدولة، وليس من منظور فردي. باختصار شديد، هذه مدينة يعلو فيها المجتمع فوق الفرد.

في نقد لاذع لهذه المدينة يقدم بوبر عددا من الحجج الموضوعية، أهمها أن أفكار أفلاطون فيما يتعلق بهندسة المجتمع فتحت الطريق للأفكار المحابية للدكتاتورية بعد ذلك، سواء كان ذلك على أساس طبقي (كارل ماركس) أو عرقي (هيجل) أو ديني. ثانيا، وبشكل ضمني، يقول بوبر أن هذه الأفكار تم ترجمتها إلى تجارب إنسانية كبدت الشعوب، وتكبدها، تكلفة عالية للغاية. ثالثا، يقف بوبر بشدة في صف تبني نظم حكم ديمقراطية ليبرالية، يلعب فيها الفرد دورا أساسيا، وتقوم مؤسسات الدولة بحماية مواطنيها، وبحل الخلافات بينهم بشكل سلمي، ويقف الجميع سواسية أمام القانون. وإذا كان بوبر لم يقدم تحليلا منهجيا للتدليل على موقفه، فليس علينا إلا النظر حولنا لنري أن الدول الأكثر صلابة واستقرارا ورفاهة هي الدول التي تطبق المبادئ الليبرالية والحكم الرشيد، وليست الدول التي تعيث فيها أنظمة دكتاتورية فسادا.

ماذا يعني كل هذا بالنسبة لنا؟ أظن أن الإجابة واضحة، فقد ثار المصريون في يناير 2011 ويونية 2013 على نظامين اتسما بقدر غير قليل من الدكتاتورية. وظني أن أغلب المصريين لا يختلفون على أننا نريد نظاما ديمقراطيا حديثا، على غرار ما يدعو إليه بوبر وتتمتع به الدول المتقدمة. نقطة الخلاف تبدو حول كيفية تحقيق ذلك، والمدي الزمني المطلوب للوصول إلى ما نبتغيه. هناك من يري أن أعداء الدولة يسعون جاهدين لتفكيكها، ولهذا يحبذون الوقوف صفا واحدا والتركيز على الحفاظ على تماسك الدولة الآن. وهناك من يري أن هذا التبرير لا يجب أن يثنينا عن السعي للابتعاد عن سمات مدينة أفلاطون غير الفاضلة. ظني أن الوقت قد حان لكي نحسم أمرنا في صالح الخيار الثاني، خاصة أننا أحرزنا تقدما كبيرا على مسار تماسك الدولة.

عود على بدء، من الممكن أن يقع الانسان، والمجتمعات أيضا، فريسة لبعض الأفكار الضارة لمدة قد تقصر أو تطول. كان هذا ما حدث لي مع مدينة أفلاطون الحالمة، ولا شك أن هذا ما حدث على مر العصور لبعض الدول التي عانت من طغيان شيوعي، أو ديني، أو عرقي. وإذا كانت الديمقراطية عليها مآخذ كثيرة، فليس أبلغ من رد سوي ما قاله «تشرشل» بتصرف: الديمقراطية أسوأ نظام للحكم، لكنه أفضل ما توصلت إليه الإنسانية حتى الآن.

المصدر المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق