السادات ومبارك.. رئيسان مختلفان ٢-٢!

المصرى اليوم 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

جلسنا على مقهانا المفضل فى أحد أيام الموجة الخماسينية الحارة التى ضربت القاهرة مؤخرًا.. دار الحديث حول المستقبل والثقة فى الرئيس السيسى، فإذا بأحد خصوم الرئيس الأسبق يتطوع بحديث لم ندعه إليه ولا نشركه فى أى حوار.. قال بدأت أحب مبارك عام ٢٠٠٣ فقط عندما شاهدت الدبابات الأمريكية تتمختر فى شوارع بغداد.. هذه الجملة فتحت الطريق لعقلى لأعقد المقارنة بين زعيمين حكم كلاهما مصر آتيا من موقع النائب.. بدأ السادات حكمه بإزاحة رجال ناصر عن الحكم فيما أطلق عليه بعد ذلك ثورة التصحيح فى ١٥ مايو ١٩٧١.. أما مبارك فقد احتفظ بنفس الوجوه والخطوط التى ظهرت بعد ذلك أمامه مرة أخرى بعد أن صار رئيسًا.. من ثم كان عنده متسع من الوقت ليرى ويفكر ويقرر ويدبر ويغير منهم أو يبقيهم.. وهو فى هذا يختلف عن السادات بل عن عبدالناصر نفسه.. جاء مبارك للحكم وهو على فهم ودراية بمعالم القيادات السياسية والإدارية والعسكرية التى يتعاون معها والتى سوف يدير بها مصر ويواجه العالم العربى والأجنبى.

.. من ثم فإذا كان عبدالناصر الزعيم الخالد والسادات بطل الحرب والسلام، فإن مبارك كان أفضل مدير عام لمصر... أخطاؤه وإيجابياته يختلف حولها الناس.. لكنه فى كل الأحوال لم ينس أنه قائد عسكرى يجلس مع الجنود على الأرض وفى خندق واحد وتحت النار والدخان والجثث.. قال لى ولزملائى كثيرًا أنا محصن ضد الاستفزاز السياسى والعسكرى.. فى فبراير ١٩٨٢ وصل ألكسندر هيج وزير الخارجية الأمريكى وقتها إلى مصر طالبا منه تعهدًا كتابيًا لإسرائيل حتى تستكمل الانسحاب من سيناء.. ببرود طيار مقاتل قال له: «مصر لا تغير كلمتها.. لا يريدون الانسحاب.. نقاتل مرة أخرى.. بسيطة».. هو يختلف عن السادات فى أسلوب الصدمات.. هو يدرس.. والسادات يفاجئ.. كان لعبدالناصر هدف.. ومثله السادات.. لكن الأصعب مبارك.. ففى أول حديث له بعد انتخابه وأمام البرلمان طلب من الشعب أن يساعده على تحقيق الاستقرار.

هى ليست كلمة سهلة.. فقد جاء للحكم بعد اغتيال السادات.. والإسلاميون يذبحون ويقتلون فى الصعيد والأقباط يطالبون بدولة.. ومصر تظهر وجهها العنيف لأول مرة.. بل أزعم وجهها القبيح.. ما واجه مبارك أصعب من السادات الذى كان أشد تحد له مظاهرات تطالبه بالحرب وأخرى تدفعه ليكون عبدالناصر المستنسخ وثالثة ضد ارتفاع الأسعار.. لم يكن فيها ما يهز استقرار البلد ويعصف به.. حتى فى يناير ١٩٧٧ أمكن احتواؤها فى أيام قلائل.. الأزمات التى واجهت مصر أيام مبارك تختلف.. فى كل حديث أو مانشيت أو تصريح تجده يؤكد على الاستقرار واستمراره.. كان هو اللحن المميز له.. الاستقرار كان فى نظر كثيرين عيبا فهم يرونه بطئًا أو عنادًا أو عداءً للتغيير.. كل يريد رئيسا حسب رغباته الشخصية.. أو رئيسا وفقا لما يطلبه المستمعون.. إن أهم ركيزة للحكم هى الأمن والأمان.. يقول مثل يونانى قديم «الحجر المتحرك لا ينبت عليه العشب.. لكن ينبت العشب على الحجر المستقر» لابد أن يستقر الحجر ويسكن وينزل عليه المطر ويضرب بجذوره فى ذرات الحجر.. الحجر لو تحرك ستتحطم ذرات الشعب.. بالمعنى الحديث العشب هو التنمية لا تنبت إلا مع حجر ساكن. قال لنا مبارك فى إحدى سفرياته لإيطاليا مشاكلنا صدى لمشاكل البلد.. إننا لسنا وحدنا.. وما يحدث فى أى مكان لابد أن يكون له أثره فينا.. لكن لابد أن نعمل وننتج حتى لا نتوقف.. وإذا توقفنا سنجمد.. وإذا جمدنا فإننا نموت.. فالطريق إلى الأمل هو العمل والوظائف.. سألته مرة عن علاقاتنا بإسرائيل وعن الاتهام الموجه لنا دائما أننا حلفاؤها.. فقال مصر دولة عربية والذين يقودون الحملة ضدنا «يقصد قطر وحماس وغيرهما» لهم علاقات جيدة بتل أبيب.. ثم إن الجميع سيعودون إلى ما رفضوه من قرارات مصر بشأن السلام.. الآن يسعى العرب للجلوس معها وتحاول أمريكا مساعدتهم!!

.. كان هذا الكلام فى عام ٢٠١٠ قبل الزيارات السرية العربية لإسرائيل.. وما تم الكشف عنه من مفاوضات برعاية أمريكية وبعد أن أصبح الجميع يتحدثون لغة السلام.. واسترجع موقف مصر من عدوان العراق على الكويت فى أغسطس ١٩٩٠ حيث خاضت معركة دبلوماسية فى الجامعة العربية ضد بغداد وأعوانها فى الأردن والسودان وليبيا.. وانتصرت مصر للحق والحرية.. أما فى حرب تحرير الكويت فقد استيقظ الرئيس مبارك فجرًا على تليفون من الأمير خالد بن سلطان قائد قوات تحرير الكويت يخبره فيها أن الجنرال شوارتسكوف قائد قوات التحالف قرر اقتحام العراق واحتلالها وأنه حصل على موافقة الرئيس جورج بوش الأب.. فورا اتصل مبارك ببوش وأقنعه بعدم احتلال العراق حتى لا يصبح الأمريكان هدفا لمحاولات إرهابية متعددة فى جميع أنحاء العالم.. وحدث ما حذر منه الرئيس الأسبق منذ عام ١٩٩٦ وقال أكثر من مرة ستحترق أصابع الغرب من الإرهاب الأسود.. فسخروا منه وقالوا إن الإرهاب يضرب الدول غير الديمقراطية.. ثم اكتشفنا أنهم هم من يزر ع الإرهاب ويموله.. سألته يومًا عن متى تحل مشكلة احتلال الجولان السورية «قال اتفقت مع رابين والأسد على كل شىء.. وانتظرنا التوقيع.. وتم حل مشكلة بحيرة طبرية بناء على طلب حافظ.. ثم توقف كل شىء لأن سوريا رفضت رفع العلم الإسرائيلى فى سماء سوريا.. وكان رأى رابين أن العلم أهم من السفارة لأنه سيقنع به الشعب فى إسرائيل».

لقد كنت أنظر لمبارك وأتعجب كيف يسكت عن الإهانات التى تلحق به من حماس وبشار وقطر وإيران والسودان ومن الصحافة والمعارضة المصرية.. قال لى امسحها بيد التسامح والمصلحة الوطنية.. الإهانات لا تلصق بأحد.. من ثم صافح من لم يستحق المصافحة وعانق من لا يساوى وزنه ترابًا.. مبارك لم يكن مثل عبدالناصر الذى شتم أمريكا وبريطانيا والحكام العرب.. ولامثل السادات الذى بلغ العداء مع القذافى إلى حد توجيه ضربة عسكرية موجعة له.. وهاجم حافظ الأسد فى البرلمان.. وسخر من حكام الخليج.. عزا البعض هجوم السادات إلى أنه محق لأنه حارب نيابة عن العرب الذين تخلوا عنه وقت أن احتاج لهم.. الناس أحبت ناصر لأنه خشن الملبس والمظهر والجوهر.. وأحبت السادات لأنه داهية مكار وضحك على إسرائيل.. أما مبارك فرغم كل ما قدمه للاستقرار، لم يحظ بهذا الحب لأنه فى رأى البعض سبب خراب البلد وسيطرة رأس المال واحتكار الحزب الوطنى للنفوذ والسلطة والفساد الذى عشش فى الدولاب الإدارى والحكومى.. ومع ذلك فإن مبارك كان أعقد وأمكر (من السادات) بل إنه فلاح خبيث.. كرهه البعض لأنهم تصوروا أنه يرفل فى الحرير.. والحقيقة أن الحرير ليس سلبيا كما يتصور البعض.. وليس مملوءًا بالخشونة مثل الخيش.. الحرير أكثر عقدا.. ولكنها عقد ناعمة ومتلاحقة حتى تبدو للعين والأصابع والملمس أنها ليست موجودة.. والحقيقة أنها موجودة وإنما ناعمة ومتلاحقة وبمئات الملايين.. هكذا كانت شخصية مبارك وأسلوبه وسلوكه له ملمس الحرير.. لكن لا نهاية للخطوط المتقاطعة والمترابطة والعقد فى تكوينه.. مصر نعمت بالديمقراطية وحرية الرأى والتعبير فى عهد مبارك الذى لم يقل ما قاله السادات من لها أنيابا وأظافر وأنه سيفرم بها من يخالفه.. سادت حرية شتم الرئيس ورجاله وعائلته فى صحف المعارضة وفى البرلمان ولم يخف كاتب على مصيره حتى الذين صدر حكم نهائى بحبسهم.. بل إنه فكر عام ٢٠٠٥ فى إسناد رئاسة تحرير صحيفة الجمهورية القومية للأستاذ عادل حمودة الصحفى المعارض الكبير لولا تدخل مسؤول سيادى كبير.. سأله زميلى ممتاز القط عما يكتب ضده فى صحف المعارضة فقال له بعد أن يرفع القلم وتدور الماكينات ويتم توزيع الصحف بين الناس أعمل إيه.. كان يضحك عندما يبلغونه عن المسرحيات الكوميدية والأفلام التى تسخر منه وآخرها «بوبوس» لعادل إمام.. وأعجب ما فى صحافة وإعلام عصر مبارك أن إعلامى الفضائيات المليونيرات كانوا ينادون بأن تنهار الرأسمالية ليدخل الفقراء الجنة.. وينسون أنهم هم أنفسهم لن يدخلوها فى أكذوبتهم الكبرى التى يمارسون فيها خطة غسيل مخ المصريين..

المصدر المصرى اليوم

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق