هل دقت الحرب الباردة أوزارها في سوريا؟

مصر العربية 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

"ظاهرها الرحمة وفي باطنها التحجيم والإبعاد".. لفتت في الأسابيع والأشهر الأخيرة للأزمة السورية اتفاقيات وقف التصعيد، والهدف المعلن منها هو حماية المدنيين، لكنها ربما تحمل رسائل سياسية عديدة.

 

اتفاق الغوطة الشرقية قبل أسابيع، واتفاق ريف حمص الشمالي قبل يومين هما أحدث تجليات الأزمة السورية، وجاء رابطًا بينهما أن الوساطة مصرية والضمانة روسية، لكن تطورات أخرى ربما تغير كثيرًا من قواعد اللعبة، ما طرح تساؤلًا عن حرب باردة تلوح أفقها في سوريا.

 

فبينما كانت تركيا وإيران ضامنتين مع روسيا لاتفاق أستانة، إلا أنَّه في الاتفاقين الأخيرين تم اعتماد مصر كطرف وسيط، وهو ما أغضب بعض الفصائل المسلحة التي طالبت بتركيا كضامن، إلا أنَّها وافقت في الأخير بسبب "تهديدات روسية"، كما كشفت مصادر من المنطقة لـ"مصر العربية".

 

محاولات إبعاد تركيا عن المشهد من المؤكد أنه لا يقابل بصمت، فأنقرة ترى تحديدًا في مناطق الشمال السوري تهديدًا لأمنها لا سيّما من قبل الميليشيات الكردية المدعومة أمريكيًّا، وهنا تلوح إلى الأذهان صفقة الـ"s400" التي اتفقت عليها تركيا مع روسيا، استعدادًا ربما لتدخل وشيك.

 

في هذا الإطار، كشفت مصادر مطلعة لـ"مصر العربية" أن تركيا تجهز فعلًا لعملية في إدلب بالتنسيق مع أمريكا وفرنسا، كما أنَّها تدخلت بالفعل في بعض المناطق الشمالية لكنها توقفت عنها بسبب اصطدامها بقواعد عسكرية أمريكية.  

 

يبرز في هذا الإطار أيضًا، التغييرات التي جرت لقادة الجيش التركي، حيث استبدل قادة سلاح البر الجنرال صالح زكي تشولاك وسلاح البحرية الأميرال بولنت بوسطان أوغلو وسلاح الجو الجنرال عابدين أونال، على التوالي بيشار غولر وحسن كوتشوك اكيوز وعدنان أوزبال، بحسب "الأناضول".

 

مسرح آخر للتأثير على سوريا، عنوانه الخلافات الأمريكية الروسية، فلا يختلف اثنان عن أنَّ الجانبين أكثر من يحركا الأزمة هناك، وبالتالي فإنّ الخلافات بينهما يفرض بالتأكيد التطورات السورية.

 

فمؤخرًا، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانونًا يفرض عقوبات ضد روسيا، مذعنًا للضغوط الداخلية، ما يجمد جهود تحسين العلاقات مع الكرملين، وجاء ذلك خلف أبواب مغلقة وبعيدًا عن الكاميرات بعد فشل جهوده لعدم تمرير القانون أو تخفيفه.

 

ويستهدف القانون "الذي يشتمل كذلك على إجراءات ضد كوريا الشمالية وإيران، قطاع الطاقة الروسي، ويمنح واشنطن القدرة على معاقبة الشركات المشاركة في تطوير خطوط أنابيب النفط الروسية، ويفرض قيودا على مصدري الاسلحة الروسية.

 

كما يقيد القانون قدرة الرئيس على إلغاء عقوبات، في مؤشر لعدم ثقة الجمهوريين الذين يهيمنون على الكونجرس الذي تقلقه تصريحات ترامب الودية تجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

 

وتهدف العقوبات إلى معاقبة الكرملين عما يقال إنه "تدخلها" في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016 التي فاز بها ترامب، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانية.

 

وردًا على ذلك، سارعت موسكو، إلى إصدار أمر لواشنطن بخفض تواجدها الدبلوماسي في روسيا إلى 455 شخصًا قبل أول سبتمبر المقبل ليتناسب مع حجم البعثة الروسية في الولايات المتحدة.

 

وقبل أيام، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أنه سيلتقي نظيره الروسي سيرجي لافروف خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلا أنه حذر من أن العلاقات الروسية الأمريكية قد تتدهور.

 

وقال إنَّ قرار الكونجرس الأمريكي تمرير قانون العقوبات جعل جهود تحسين العلاقات مع موسكو "أكثر صعوبة".

 

الخلافات الأمريكية الروسية تأتي بعد توقعات كبيرة بأن تزدهر العلاقات بينهما مع تولي ترامب السلطة، لكن الخلافات جاءت بما لا يشتهي أحد، فكل طرف لديه طموحاته ونفوذه في مناطق الصراع، وتحديدًا سوريا.

 

هذه الخلافات طرحت تساؤل عن إمكانية اندلاع حرب باردة بين تلك الأطراف، ميدانها سوريا وخسائرها عرب، لا سيّما أنَّ روسيا استغلت التراجع الأمريكي في المنطقة خلال عهد الرئيس السابق باراك أوباما وانخرطت بقوة في الصراع في المنطقة، بل وتقاربت مع أطراف كانت أقرب ما تكون إلى الولايات المتحدة، حتى باتت موسكو في الموضع الأكثر تأثيرًا لأكثر بؤر العالم التهابًا، حتى المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا كان قد صرح بأن غياب المشاركة الدبلوماسية الأمريكية انعكس على النتيجة الضعيفة لعملية السلام في جنيف.

 

وفيما يبدو تأكيدًا للخلاف، استبق وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون الإعلان عن لقائه بنظيره الروسي سيرجي لافروف بعد أيام، بالتأكيد على أن واشنطن لا تزال تعتقد أن بشار الأسد لا مكان له في مستقبل سوريا، مشددا على ضرورة خروج القوات الإيرانية ومحذرًا في الوقت نفسه من أن التواصل مع موسكو لن يمنع العلاقات الأمريكية الروسية من الازدياد سوءًا.

 

ولم يحاول تيلرسون مطلقًا إخفاء المشكلات الخطيرة العالقة بين البلدين، قبيل لقائه بلافروف في مانيلا على هامش اجتماع وزاري لمجموعة آسيان، حيث اعترف في مارس الماضي بعد زيارة رسمية إلى الكرملين أن العلاقات في أدنى مستوى مع إشارات قليلة لإمكانية إحراز تحسن فيها، كما قال "تيار الغد السوري" عبر موقعه الإلكتروني.

 

تيلرسون تساءل: "باعتقادي بالنسبة إلى أحداث الأسبوع الفائت أو غيرها، هل تسوأ الأمور أكثر أم يمكننا الحفاظ على بعض المستوى من الاستقرار في هذه العلاقة؟"، وقال إن قرار الكونجرس بتمرير مشروع قانون العقوبات جعل من محاولات إذابة الجليد بين البلدين "أكثر صعوبة".

 

وفي مؤتمر صحفي عُقد الثلاثاء الماضي، تطرق تيلرسون إلى العلاقات مع روسيا في إطار القضية السورية، فقال إن واشنطن وموسكو تتشاركان الموقف من تنظيم "الدولة" وتعتبرانه خطرًا مشتركًا على كلا البلدين، وأضاف: "نحن ملتزمون بضرورة دحر داعش والتشكيلات الإرهابية الأخرى، كما أننا ملتزمون بضرورة إحلال الاستقرار في سوريا بعد المعركة ضد داعش".

 

الأكاديمي اللبناني الكاتب جلبير الأشقر كتب لـ"القدس العربي": "الصراع الحالي بين روسيا والولايات المتحدة صراعٌ بين دولتين إمبرياليتين على شاكلة الصراع الذي أدّى إلى الحربين العالميتين أكثر مما هو استمرار للحرب الباردة التي كان فيها خطاب موسكو معاديًّا للإمبريالية".

 

ويقول: " أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيدًا بكثير بحيث أن أوساط السلطة في الولايات المتحدة ذاتها منقسمة إزاء روسيا بين من ينظر إليها بالدرجة الأولى كمنافس إمبريالي ويرى في تسعير العداء ضدها وسيلة لضمان ولاء أوروبا لواشنطن، وبين الذين يرون في بوتين في المقام الأول حاكماً غارقاً في اليمينية يشاطرون منحاه الرجعي وينظرون إليه كحليف".

 

ويوضح: "بما أن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي كانت ولا تزال تقع في دائرة النفوذ الروسي، والدولة العربية الوحيدة التي تشهد تدخّلاً عسكرياً روسياً واسع النطاق، فمن الطبيعي أن تكون هي الساحة الأكثر تأثرًا بمجرى العلاقات الأمريكية/الروسية".

 

الباحث والكاتب السوري ميسرة بكور مدير مركز الجمهورية للدراسات وحقوق الإنسان اعتبر أنَّ الخلافات الأمريكية الروسية هي "خارج اللعبة السورية".

 

بكور قال – لـ"مصر العربية" – إن روسيا تتبع استراتيجية واضحة تتمثل في الإبقاء على نظام الأسد، مع استنبات أذرع إعلامية لهم في المنطقة، ثم التوجه إلى إجراء تغييرات جوهرية، منها إقالة وزير الخارجية ووزير الدفاع وبعض القادة، وربما منح المعارضة بعض المناصب.

 

وأضاف: "تيار الغد برئاسة أحمد الجربا قد يكون هو رجل روسيا القادم، وقد يتم تكليفه بتشكيل حكومة جديدة".

 

هذا الطرح وضعه بكور ليؤكد أنَّ الخلافات بين موسكو وواشنطن لا تؤثر على القضية السورية في المرحلة الراهنة، معتبرًا أنَّ أمريكا وروسيا تقاسمتا سوريا بالفعل، فالأولى أسست 10 مناطق عسكرية بينما الأخيرة وضعت سيطرتها على مناطق عدة في البلاد.

 

وأشار إلى أنَّ المرحلة الماضية شهدت محاولات كبيرة لتحجيم دور تركيا في المنطقة، وتحديدًا سوريا، ما اعتبره سببًا قاد أنقرة إلى إعلانها قد تشن عملية في إدلب بالتعاون مع أمريكا وفرنسا، بعد سيطرة جبهة فتح الشام "النصرة سابقًا" على تلك المناطق، معتبرًا هذه الخطوة رد فعل على محاولات روسيا إقصاء أنقرة من الملف السوري، من خلال اتفاقيات خفض التصعيد.

 

إمكانية تدخُّل أنقرة بالفعل في هذه المرحلة، يقول عنه بكور: "تركيا تدخلت بالفعل.. فوصلتنا معلومات عن عمليات في شمال سوريا، لكنها توقفت ولم توسعها لأنها اصطدمت بالقواعد الأمريكية".

 

كما أنَّ التوافق الروسي التركي في شمال سوريا أدَّى إلى انسحاب بعض العسكريين من مناطق عفرين في حلب، لكنَّه أوضح: "هناك 5 قواعد أمريكية على الأقل في المناطق التي تريد تركيا الدخول إليها، لذلك فهي جاءت مع فرنسا وترغب الآن في التقرب من أمريكا من أجل ذلك".

 

تركيا أيضًا قد تجد نفسها مرغمة على التدخل بشكل مباشر، لا سيَّما مع إعلان الأكراد استفتاء على إقامة دولتهم في سبتمبر المقبل، وبالتالي فأنقرة ستجد أمنها مهددًا.

 

يقول بكور: "تركيا قد تتدخل حتى إذا صعَّدت من الموقف ضد الولايات المتحدة، وربما التعديلات العسكرية في تركيا من قادة البرية والبحرية والجوية تأتي في هذا الإطار لضمان ولاء الجيش لصالح الدولة وأن يوافق على سياسة البلاد في هذا المقام إذا لزم الأمر".

 

صفقة الـ"S400" إذا ما وصلت لتركيا من روسيا بعد التوقيع عليها، يرى بكور أنَّها ستعطي أنقرة دفعة معنوية قوية في هذا السياق، وسيكون الأمر محفزًا للتدخل في شمال سوريا لوقف العبث الكردي والمغامرة الأمريكية مع عصابات سوريا الديمقراطية الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي".

المصدر مصر العربية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق