فراغ اقتصادي بمحيط البحر الأحمر

الجزيرة نت 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ضعف اقتصادي
أهمية إستراتيجية
الحضور التركي القطري

تتعدد المزايا التي تتمتع بها منطقة الشرق الأوسط من موارد اقتصادية مختلفة (بشرية، ومالية، وطبيعية) ولكن للأسف هذه الموارد أهملها أهلها ولم يحسنوا توظيفها على مدار أكثر من ستة عقود مضت، ومن بين هذه الموارد الطبيعية البحر الأحمر.

لذلك كانت المنطقة محط أنظار قوى إقليمية ودولية للاستفادة من المواقع الإستراتيجية للممرات المائية (قناة السويس، مضيق باب المندب، مضيق هرمز) والثروات النفطية.

فمنذ أن وطئت القوات الأميركية مياه الخليج في مطلع التسعينيات من القرن العشرين لم تغادرها، وحذت حذوها قوى دولية أخرى بتواجدها في محيط المياه الدولية بغية تأمين تدفقات النفط، وتأمين مسارات التجارة الدولية في منطقة البحر الأحمر.

ضعف اقتصادي
ثمة مجموعة من المؤشرات يمكن من خلالها تقويم الأداء الاقتصادي للدول المطلة على البحر الأحمر في منطقة الشرق الأوسط، وهي تصنف ما بين دول نامية ودول أقل نموا باستثناء دولة الكيان الصهيوني، وبلا شك فإن وجود السعودية في مجموعة العشرين هو تواجد وفق مؤشر الملاءة المالية وليس نظير تصنيف تنموي مرتفع، فالسعودية دولة ريعية ولا تحقق عوائدها من خلال القيمة المضافة المتحققة من التكنولوجيا أو ناتج محلي مبني على قاعدة إنتاجية قوية كسائر دول مجموعة العشرين.

وكذلك على مستوى الصادرات نجد أن جل الدول المطلة على البحر الأحمر تصدر المواد الخام والصناعات التقليدية باستثناء دولة الكيان الصهيوني التي يتوقع لها أن تواجه مشكلة خلال السنوات القادمة تتمثل في ما يسمى المرض الهولندي الذي ينتج عن زيادة الإيرادات الريعية لصادرات الغاز الطبيعي المتوقع استخراجه من شواطئ البحر المتوسط، مما يؤدي إلى رفع قيمة العملة "الشيكل"، وبذلك تواجه الصادرات السلعية والخدمية منافسة شديدة في السوق الدولية بسبب ارتفاع قيمته.  

إجمالي التجارة السلعية للدول المطلة على البحر الأحمر خلال عام 2016.. القيمة بالمليار دولار

الدولة

الصادرات السلعية

الواردات السلعية

إجمالي التجارة

مصر

25.4

55.7

81.1

السودان

2.36

8.65

11.01

اليمن

1.0

6.7

7.7

السعودية

174

139

313

الأردن

7.5

19.2

26.7

جيبوتي

0.140

0.974

1.114

الصومال

0.440

1.08

1.49

إرتيريا

0.345

1.05

1.395

الكيان الصهيوني

60

68

128

الإجمالي

271.185

300.354

571.539

المصدر: إحصاءات الأونكتاد، الملفات التعريفية الخاصة باقتصاد كل دولة

وثمة مؤشر مهم تظهره البيانات المدونة في الجدول أعلاه، وهو تواضع مساهمات دول المنطقة المطلة على البحر الأحمر، حيث تبلغ قيمة تجارتها السلعية مع باقي دول العالم في 2016 نحو 571.5 مليار دولار، في حين تقدر قيمة التجارة الدولية العابرة من البحر الأحمر سنويا بحوالي 2.4 تريليون دولار، أي أن تجارة دول المنطقة تمثل 23.7% من إجمالي التجارة الدولية العابرة للبحر الأحمر.

وفي الوقت الذي تأتي فيه السعودية في مقدمة دول المجموعة كما يظهر من الشكل البياني، من حيث قيمة إجمالي التجارة السلعية، وتليها دولة الكيان الصهيوني ثم مصر نجد أن الاقتصاد السعودي يتسم بالريعية، كما يتسم الاقتصاد المصري بالضعف وعدم القدرة في الوقت الحالي بلعب دور إقليمي على الصعيد الاقتصادي لتوظيف المقومات الإستراتيجية للبحر الأحمر، ولعل الوجود التركي القطري في "سواكن" السودانية يحدث نوعا من التوازن مع دولة الكيان الصهيوني، ويحد من طموحاتها في السيطرة على اقتصاديات المنطقة.

للحضور التركي القطري بمنطقة سواكن وجه اقتصادي (الأناضول)

أهمية إستراتيجية
ثمة دول عربية تطل على البحر الأحمر، ولديها ملفات تأتي في إطار توازن القوى السياسية والاقتصادية في المنطقة، ومنها مصر والسعودية والسودان، ولكن للأسف لم تعر هذه الدول هذا الكنز الإستراتيجي الأهمية المطلوبة إلا من خلال إنشاء بعض الموانئ لتسهيل تجارتها الخارجية عبر البحر دون البحث عن تحول هذه الموانئ إلى نقط ارتكاز اقتصادية تساهم فيها عبر إنشاء المناطق الصناعية في تطوير الناتج المحلي وزيادة القيمة المضافة.

فالسودان اكتفى بأن يكون مجرد ممر لنفط دولة جنوب السودان التي انشقت عنه في منتصف عام 2011، وذلك نظير عمولة أو نسبة من عوائد تصدير النفط، وكذلك مصر لم تحدث تطويرا ملموسا على قناة السويس سوى تفريعة ليست أكثر من تكريس لاعتبار القناة مجرد ممر مائي، وكانت السعودية شأن كل من السودان ومصر، حيث إن الموانئ المنشأة على البحر الأحمر هي فقط لأعمال التجارة الخارجية مع العالم.

فكون البحر الأحمر وهب هذه الدول ميزة التواصل مع قارات العالم الثلاث (أفريقيا، وآسيا، وأوروبا) وجب عليها الاستفادة من سواحله باستيفاء شروط القوى الإقليمية التي تعي ما منحها الله من مزايا جغرافية يمكن أن تساهم في زيادة المزايا التنافسية في مجال تجارة السلع والخدمات، وكذلك التوظيف السياسي والأمني.

وإذا كان البحر الأحمر يستحوذ على نسبة 13% فقط من قيمة تجارة العالم سنويا فإنه بإمكان دول هذه المنطقة أن تعظم من حصتها من هذه التجارة من جانب، وتعمل على زيادة حصة البحر الأحمر من إجمالي التجارة العالمية، خاصة أن دولة مثل مصر لديها قناة السويس التي تربط بين أهم ممرين عالميين، هما البحر الأحمر والبحر المتوسط.

وعلى الرغم من وجود سبع دول عربية من مجموع تسع دول بالمنطقة تطل على البحر الأحمر فإن هذه الدول لم تفكر على مدار العقود الماضية في إطار عمل مشترك يعظم من عوائدها الاقتصادية من البحر الأحمر، مع أن كافة المؤتمرات والندوات والدراسات التي عقدت في إطار العمل العربي المشترك كانت توصي بأهمية تسهيل النقل بين دول المنطقة، والإفادة من السواحل البحرية الممتدة بين الدول العربية.

يذكر أن تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخرا بأن استفادة بلاده من التجارة العالمية بالبحر الأحمر صفر يدل على التفريط في الثروة الطبيعية والإستراتيجية من قبل هذه الدول خلال الفترة الماضية.

"
على الرغم من وجود سبع دول عربية من مجموع تسع دول بالمنطقة تطل على البحر الأحمر فإن هذه الدول لم تفكر على مدار العقود الماضية في إطار عمل مشترك يعظم من عوائدها الاقتصادية من البحر الأحمر
"

الحضور التركي القطري
تشترك تركيا مع بعض دول المنطقة في شواطئ البحر المتوسط، ولكنها عقدت مؤخرا اتفاقا يضمن لها مع قطر حضورا على شواطئ البحر الأحمر عبر جزيرة سواكن السودانية، ولا يأتي الحضور التركي القطري من فراغ على سواحل البحر الأحمر، فهناك الجانب السياسي الذي تريد أن ترسل به تركيا رسالة إلى مصر للرد على تحالفها مع كل من قبرص واليونان ودولة الكيان الصهيوني، والتوقيع على اتفاقيات ترسيم الحدود، والتي أدت لخسارة مصر نحو ثمانين مليار دولار بسبب تنازلها عن ملكيتها في حقول الغاز الطبيعي في المنطقة التي وقعت على اتفاقية بإعادة ترسيم حدودها لتدخل معظم حقول الغاز الطبيعي في ملكية قبرص واليونان والكيان الصهيوني.

فأتى الحضور التركي القطري ليكون له وجه اقتصادي في منطقة سواكن بشكل خاص والسودان بشكل عام عبر اتفاقيات للاستثمار والتجارة، لتقوي تركيا وقطر حضورهما الأفريقي، حيث ستكون منتجات منطقة التعاون السوداني مع كل من تركيا وقطر على الأراضي السودانية قد اكتسبت صفة "دولة المنشأ"، مما يمكنها من الاستفادة من كافة الاتفاقيات الإقليمية والثنائية التي وقع عليها السودان في محيطه الأفريقي والعربي، مثل اتفاقية الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

وثمة رسالة اقتصادية وسياسية أخرى تبعثها تركيا وقطر لكل من السعودية والإمارات بأن حضورها في سواكن السودانية منافس قوي لهما، خاصة أن لدى تركيا وقطر ما تقدمانه للسودان من خلال ما تملكه تركيا من قاعدة إنتاجية قوية، وكذلك حرصها على إقامة شراكات واستثمارات على الأراضي السودانية، وأيضا قدرتها على صناعة خطوط الإنتاج والعدد والآلات، وهو ما تفتقده كل من السعودية والإمارات، فضلا عن منافسة تركيا للإمارات في قضية إدارة الموانئ في دول المنطقة.

وفي نفس الوقت تمتلك قطر ملاءة مالية يحتاج إليها السودان بشكل قوي، خاصة أنها قد أعلنت قبل الزيارة المشتركة مع تركيا للسودان عن إنشاء حزمة من المصانع فيه تقترب من ثلاثين مصنعا في المجالات المختلفة. 

في الختام، يمكن القول إن غياب المشروع العربي المشترك والبحث عن المصالح الضيقة -خاصة من قبل تحالف مصر، والسعودية، والإمارات- أديا إلى التفريط في المقدرات الاقتصادية والإستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر وفتح الباب منذ عقود لتواجد القوى الدولية لتملأ هذا الفراغ، وتشاركها مؤخرا القوى الإقليمية.
-----------------------------------

 *كاتب مصري

المصدر الجزيرة نت

أخبار ذات صلة

0 تعليق