وقفات شرعية مع ذكر الخوض فى القرآن الكريم والسنة النبوية (1)

المصريون 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الحمد لله حمدا لا ينفد ، أفضل ما ينبغى أن يحمد ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تعبد ، أما بعد ...

فقد انتشر الخوض المذموم فى هذه الأيام ، بصورة كبيرة جدا ، ولم يسلم منه أحد – إلا من رحم الله تعالى -  فأحببت أن أنصح نفسى والمسلمبن ، ببيان كل ما يتعلق بالخوض  من أحكام  ، المذموم منه والممدوح ، ولنعلم المذموم منه فنجتنبه ، والممدوح منه فنلزمه ، فأقول وبالله التوفيق :

الوقفة الأولى : معنى الخوض :-

جاء فى معجم المعانى الجامع بالشبكة العنكبوتية : {  خاضَ : ( فعل ) خاضَ / خاضَ في يَخوض ، خُضْ ، خَوْضًا ، فهو خائض ، والمفعول مَخُوض – للمتعدِّي  ، خَاضَ أَمْوَاجَ البَحْرِ : دَخَلَ فِيهَا ، خَاضَ فِيهَا . خَاضَ فِي الحَدِيثِ : اِنْدَفَعَ فِيهِ ، أَسْرَعَ ، أَفَاضَ . خَاضَ الْجَيْشُ مَعْرَكَةً حَاسِمَةً : اِقْتَحَمَهَا

قَرَّرَ أنْ يَخُوضَ غِمَارَ الحَرْبِ : أنْ يَدْخُلَهَا مُحَارِباً . خَاضَهُ بِالسَّيْفِ : ضَرَبَهُ بِهِ فِي أسْفَلِ بَطْنِهِ وَحَرَّكَهُ فِيهِ  .خَاضَ الْفارِسُ بِالْفَرَسِ : أوْرَدَهُ الْمَاءَ . خاض القومُ : أمعنوا في الباطل وتوغَّلوا فيه { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا } . خاض في أعراض النَّاس : اغتابهم . يخوض المنايا : أي : يُلقي بنفسه في المهالك

 خاض القومُ في الحديث : تبادلوه وتفاوضوا فيه { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }

خاضَ الماءَ : دَخلَه ومشى فيه . خاض الأمرَ والباطِلَ ، وفيهما . خاضَ الغَمَراتِ : اقتحمها

خاضَ الشرابَ في الإناءِ : خَلطه وحرَّكه } أهـ .

يتضح مما سبق أن للخوض معنيين ، حقيقى ، ومجازى :

أولا : المعنى الحقيقى :

أ - الخوض فى الماء :-

ويؤيده الآتى :

1- عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : { أصاب أهلُ المدينةِ قحطٌ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فبينا هو يخطبُ يومَ جمعةٍ ، إذ قام رجلٌ فقال : يا رسولَ اللهِ هلكتِ الكُرَاعُ ، هلكتِ الشاءُ ، فادعُ اللهَ يَسقينا . فمدَّ يديهِ ودعا ، قال أنسٌ : وإنَّ السماءَ لمثلُ الزجاجةِ ، فهاجتْ ريحٌ أنشأتْ سحابًا ، ثم اجتمعَ ، ثم أرسلتِ السماءُ عَزَالِيَهَا ، فخرجنا نخوضُ الماءَ حتى أتينا منازلنا ، فلم نزلْ نُمْطَرُ إلى الجمعةِ الأخرى ، فقام إليهِ ذلك الرجلُ أو غيرَهُ ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، تهدَّمَتِ البيوتُ ، فادْعُ اللهَ يحبسْهُ . فتبسَّمَ ثم قال : ( حَوَالَيْنَا ولا علينا ) . فنظرتُ إلى السحابِ تصدَّعَ حولَ المدينةِ كأنَّهُ إكليلٌ .} ( رواه البخارى )

2- عن طارق بن شهاب رضى الله عنه قال : { خرج عمرُ بنُ الخطابِ إلى الشامِ ومعنا أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ فأتوا على مَخاضةٍ وعمرُ على ناقةٍ فنزل عنها وخلع خُفَّيه فوضعَهما على عاتقِه وأخذ بزمامِ ناقتِه فخاض بها المَخاضةَ فقال أبو عبيدةَ يا أميرَ المؤمنين أأنتَ تفعلُ هذا ؟ تخلعُ خُفَّيك وتضعُهما على عاتقِك وتأخذ بزمامِ ناقتِك وتخوضُ بها المَخاضةَ ما يسرُّني أنَّ أهلَ البلدِ استشرفوك فقال عمرُ أُوَّهْ لو يقلْ ذا غيرُك أبا عبيدةَ جعلتُه نكالًا لأمة محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إنا كنا أذلَّ قومٍ فأعزَّنا اللهُ بالإسلامِ فمهما نطلبُ العزَّ بغيرِ ما أعزَّنا اللهُ به أذلَّنا اللهُ } ( رواه الحاكم فى المستدرك وصححه الألبانى

الثانى : الخوض المجازى  :-

ومنه

1- خوض الخيل فى سبيل الله :-

عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : { يظهرُ الإسلامُ حتى تختلفُ التُّجَّارُ في البحرِ ، وحتى تخوضَ الخيلُ في سبيلِ اللهِ ، ثم يظهرُ قومٌ يقرؤون القرآنَ ، يقولون : من أقرأُ منا ؟ من أعلمُ منا ؟ من أفقَهُ منّا ثم قال لأصحابِه : هل في أولئك من خيرٍ ؟ قالوا : اللهُ و رسولُه أعلمُ قال : أولئك منكم من هذه الأمةِ ، و أولئك هم وَقودُ النَّارِ } ( رواه المنذرى فى الترغيب والترهيب وقال عنه الألبانى حسن لغيره

2- الخوض فى الجنة :-

- عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إنَّ اللهَ يَبعثُ الأيامَ يومَ القيامةِ على هيئَتِها ، ويبعثُ الجُمعةَ زهْراءَ مُنِيرةً لأهلِها ، فيَحُفُّونَ بِها كالعرُوسِ تُهدَى إلى كرِيمِها تُضِيءُ لهمْ ، يَمشونَ في ضَوْئِها ، ألوانُهمْ كالثَّلجِ بَياضًا ، رِياحُهمْ تَسطَعُ كالمِسكِ ، يَخوضُونَ في جِبالِ الكافورِ ، يَنظرُ إليهِمُ الثَّقلانِ ما يُطْرِقُونَ تعجُّبًا ، حتى يَدخلوا الجنةَ ، لا يُخالِطُهمْ أحدٌ إلَّا المؤذِّنونَ المحتسِبونَ } ( رواه السيوطى فى الجامع الصغير وصححه الألبانى )

- عن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما قال : { جاءَ عمرو بنُ الجَموحِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يومَ أحُدٍ فقالَ : يا رسولَ اللَّهِ مَن قُتلَ اليومَ دخلَ الجنَّةَ ؟ قالَ : نعَم . قالَ : فوالَّذي نفسي بيدِهِ ؛ لا أرجعُ إلى أَهْلي حتَّى أدخلَ الجنَّةَ فقالَ لَهُ عمرُ بنُ الخطَّابِ : يا عمرُو لا تألَّ على اللَّهِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : مَهْلًا يا عُمرُ ! فإنَّ منهُم من لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّهُ ؛منهُم عمرو بنُ الجموحِ يخوضُ في الجنَّةِ بعَرجتِهِ } ( رواه إبن حبان وصححه الألبانى )

3- الخوض فى الرحمه :-

عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من عاد مريضًا خاض في الرحمةِ ، حتى إذا قعد استقرَّ فيها } ( رواه البخارى فى الأدب المفرد وصححه الألبانى ) وفى رواية عن كعب بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : { من عاد مريضًا خاض في الرحمةِ ، فإذا جلس عندَه استنقَع فيها . } ( رواه المنذرى فى الترغيب والترهيب وصححه الألبانى

4- الكلام :-

قال محمد الطاهر بن عاشور فى تفسيره " التحرير والتنوير " : { وأصل الخوض الدخول في الماء ، ويستعار كثيرا للمحادثة المتكررة ، وقد اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال واللجاج غير المحمود قال تعالى ( ذرهم في خوضهم يلعبون ) وغير ذلك ، وقد جمع الإطلاقين قوله تعالى ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) } أهـ .

وقال الإمام الرازى فى التفسير الكبير : { والخوض نفسه خص في استعمال القرآن بالاندفاع في الأباطيل ، ولهذا قال تعالى : ( وخضتم كالذي خاضوا ) " التوبة : 69 " وقال تعالى : ( وكنا نخوض مع الخائضين ) " المدثر : 45 " }

الوقفة الثانية : أقسام الخوض :-

سبق وأن ذكرنا آنفا أن المعنى الحقيقى للخوض المشى فى الماء ، وأن من معانيه المجازية الكلام ، وحيث أن هذا المعنى هو المراد فى القرآن الكريم - حيث لم يرد الخوض بمعناه الحقيقى فى القرآن الكريم مطلقا لعدم تعلق العمل بالعلم به – فسيقتصر كلامنا عليه دون المعنى الحقيقى ، وبتتبع الآيات والأحاديث التى ورد فيها الخوض بمعنى الكلام ، انتهينا إلى التقسيم الآتى :-

القسم الأول : الخوض المذموم :-

وهو الذى يحتوى على كفر أو محرم أو مكروه .

1- الخوض الكفرى :-

هو الخوض الذى يترتب عليه كفر الخائض ، قال تعالى : { ولئن سالتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب  قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} ( التوبة 65 - 66 )

وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال : { قال رجلٌ في غزوةِ تبوكَ في مجلسٍ يومًا : ما رأيتُ مثلَ قرَّائِنا هؤلاءِ لا أرغبَ بطونًا ولا أكذَبَ ألسِنَةً ولا أجبَنَ عند اللِّقاءِ, فقال رجلٌ في المجلِسِ : كذبتَ ولكنَّكَ منافقٌ لأخبرَنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فبلغَ ذلك النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ ونزل القرآنُ قال عبدُ اللَّهِ : فأنا رأيتُهُ متعلِّقًا بِحِقبِ ناقةِ رسولِ اللَّهِ تنكُبُهُ الحجارةُ وهو يقولُ : يا رسولَ اللَّهِ إنما كنَّا نخوضُ ونلعَبُ, ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقول : أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ .} ( رواه إبن جرير وإبن أبى حاتم وصححه الشيخ مقبل بن هادى الوادعى فى الصحيح المسند من أسباب النزول ) وفى رواية { إن رجلاً قال في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ، ولا أكذب ألسنا ، ولا أجبن عند اللقاء ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ فذهب عوفٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره؛ فوجد القرآن قد سبقه ، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته ، فقال: يا رسول الله ، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق . قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن الحجارة تنكب رجليه ، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب ، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ما يلتفت إليه ، وما يزيده عليه }

ومن هذا الخوض الآن : إلقاء النكات التى تتعلق بالذات الإلهية ، او آيات الله – كالجنة والنار – أو بالرسل ، ومنه أيضا الخوض فى دخول غير المسلمين – بعد بعثة النبى صلى الله عليه وسلم - الجنة ، وإنها ليست قاصرة على المسلمين ، ومنه تسويغ إيمان من قال لا إله إلا الله ولم يؤمن بنبوة النبى صلى الله عليه وسلم .

2- الخوض المحرم :-

هو الخوض الذى يحتوى على إرتكاب المحرم ومنه :

أ- الخوض فى الباطل :-

قال القاسمى – رحمه الله - فى كتاب " موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين " : { الْآفَةُ الثَّالِثَةُ : الْخَوْضُ فِي الْبَاطِلِ : وَهُوَ الْكَلَامُ فِي الْمَعَاصِي ، كَحِكَايَةِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ ، وَمَجَالِسِ الْخَمْرِ، وَمَقَامَاتِ الْفُسَّاقِ ، وَتَكَبُّرِ الْجَبَابِرَةِ ، وَمَرَاسِمِهِمُ الْمَذْمُومَةِ ، وَأَحْوَالِهِمُ الْمَكْرُوهَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ الْخَوْضُ فِيهِ . وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَتَجَالَسُونَ لِلتَّفَرُّجِ بِالْحَدِيثِ ، وَلَا يَعْدُو كَلَامُهُمُ التَّفَكُّهَ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ أَوِ الْخَوْضَ فِي الْبَاطِلِ . وَأَنْوَاعُ الْبَاطِلِ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا ؛ لِكَثْرَتِهَا وَتَفَنُّنِهَا ، فَلِذَلِكَ لَا مَخْلَصَ مِنْهَا إِلَّا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَعْنِي مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَفِي الْحَدِيثِ : « أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَايَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ خَوْضًا فِي الْبَاطِلِ » ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ } [ الْمُدَّثِّرِ: 45 ] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ } [ النِّسَاءِ:  140] .

وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ ، يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » . } أهـ .

ب - الخوض فى القضاء والقدر :-

قال الشيخ إبن باز رحمه الله – فى " مجموع فتاوى ومقالات متنوعة " ردا على سؤال الكثير يخوضون في موضوع القضاء والقدر هل لكم توجيه ؟

فقال : { هذا باب خاضه الأولون وغلط فيه من غلط ، والواجب الحذر، فعلى كل مؤمن وكل مؤمنة التسليم لله والإيـمان بقدره سبحانه وتعالى ، والحرص على الأخذ بالأسباب النافعة الطيبة والبعد عن الأسباب الضارة ، كما علم عباده وكما جعل لهم قدرة على ذلك بما أعطاهم من العقول والأدوات التي يستعينون بها على طاعته وترك معصيته سبحانه وتعالى .

وينبغي عدم الخوض في هذا الباب والإيـمان بأن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه الخلاق العظيم القادر على كل شيء وأن جميع الموجودات بخلقه وتقديره سبحانه وتعالى وأن الله أعطى للعبد عقلاً وأسباباً وقدرة على الخير والشر كما يأكل ويشرب ويلبس وينكح ويسافر ويقيم وينام ويقوم إلى غير ذلك يطيع ويعصي . ويخشى على هؤلاء الخائضين بالقضاء والقدر أن يحتجوا بالقدر أو ينكروه لأن قوماً خاضوا فيه فأنكروه كالقدرية النفاة وقالوا لا قدر وزعموا أنهم يخلقون أفعالهم وأن الله تعالى ما تفضل عليهم بالطاعة ولا قدر عليهم المعصية ، وقوم قالوا بل تفضل الله بالطاعة ، ولكن ما قدر المعصية  ، فوقعوا بالباطل ، وقوم خاضوا في القدر وقالوا بأننا مجبورون أي أنهم ما عليهم شيء، عصوا أو أطاعوا لا شيء عليهم لأنهم مجبورون ، ولا قدرة لهم فضلوا وأضلوا نسأل الله العافية . ومجوس الأمة هم القدرية النفاة الذين ضلوا في القدر وقالوا الأمر أنف ، والمجوس قالوا إن للعباد إلهين النور والظلمة ويقولون النور خلق الخير والظلمة خلقت الشر فشابههم نفاة القدر حيث جعلوا لله شريكاً في أفعاله وأنهم يخلقون أفعالهم ، نسأل الله العافية. وعلى كل مسـلم أن يؤمن بالقدر وأن يحذر الخوض في ذلك بغير علم كما خاض المبتدعة فضلوا وإنما الواجب على كل مسلم أن يؤمن بالقدر وأن يسلم لله بذلك ويعلم بأن الله قدر الأشياء وعلمها وأحصاها وأن العبد له إرادة وله مشيئة وله اختيار لكنه لا يخرج بذلك عما قدره الله سبحانه وتعالى. } أهـ

ج – الخوض فى أعراض المسلمين :-

قال الشيخ محمد إسماعيل المقدم – حفظه الله – فى " منهاج أهل السنة في تقييم الرجال " : { إن الخوض في أعراض الناس إثم عظيم ، وأعظم منه الخوض في أعراض العلماء ؛ لذا سلك أهل الحديث في تقييم الرجال منهجاً قويماً لم يسبقهم إليه أحد من الأمم ، وهذا المنهج له قواعد مبنية على العدل الذي قامت به السماوات والأرض ، وعلى العلم الذي هو معرفة الشيء على حقيقته .... إذا ضعف ورع اللسان أو انحرف أو زال عن الإنسان ؛ فإنه يتجرأ على الخوض في أعراض الناس ، فيتجرأ في بعض الأحيان ويطلق الأحكام جزافاً بدون تثبت ، فيجرح أو يعدل ويخطئ ويصوب ، وربما سمع شيئاً في حق من هو مخالف له فلا يتفطن إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع ) ، فنتسمعه يردد كل ما يسمع لموافقته هواه ، ويظن أنه ليس عليه عهدة في ذلك لأنه يروي عن الآخرين ، ويظن أنه لا يخوض في عرض إخوانه ، ويظن أن الرواية عن الآخرين تشفع له ، وهذا ظن خاطئ ، فالواجب عليه أن يتثبت في ذلك ، فهو داخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام : ( كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما يسمع ) ، فليس كل ما تسمع ترويه وتنقله وتعتمده ، ولا يشفع لك أنك تقول: إنما أروي عن غيري ؛ لأن هذا هو عين ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام ، فقوله : ( كفى بالمرء كذباً ) فيه توضيح أن عين الكذب أن تحكي وتروي بدون تثبت ، وهذا ينشأ منه كثير من الفتن ، والخوض في حقوق المسلمين لا يجوز؛ ولأن الكلام وافق هواه فهو ينقله عن الآخرين بحجة أن هذا كلام سمعه ، وأنه لم يختلقه ، والرسول يقول : ( كفى بهذا كذباً ) يعني : ليس كذباً أصرح من هذا . فينبغي التثبت تماماً مع من لا تحب كما تتثبت في حق من تحب ، وحسن الظن بالمسلمين واجب ، فكل المسلمين  سواء من هؤلاء أو هؤلاء ينبغي أن تنضبط بميزان العدل معهم . } أهـ .

3- الخوض المكروه :-

هو الذى يترتب عليه الوقوع فيما يكره :

قال الغزالى فى " إحياء علوم الدين " : { الخوض في علم لا يستفيد الخائض فيه فائدة علم فهو مذموم في حقه } أهـ .

القسم الثانى : الخوض المحمود :-

هو الخوض الواجب ، أو المستحب .

1- الخوض الواجب :-

هو الخوض فى المسائل الواجبة ، وينقسم إلى :

واجب عينى : فيجب على كل مسلم أن يخوض فى العلم الذى تصح به عبادته ، مثل الطهارة ، والصلاة ، والصيام ، والزكاة لمن وجبت عليه ، والحج لمن وجب عليه ، وفقه البيوع لمن نزل الأسواق ... إلخ .

واجب كفائى : فيجب على بعض المسلمين الخوض فى العلوم الشرعية ،  لقوله تعالى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .} ( التوبة 122 )

2- الخوض المستحب :-

هو الخوض فيما يستحب ، ولا يجب ، ومثاله :

أ - عن حصين بن عبدالرحمن قال : { كنتُ عند سعيدِ بنِ جبيرٍ فقال : أيُّكمْ رأى الكوكبَ الذي انقضَّ البارحةّ ؟ قلتُ : أنا . ثمَّ قلت : أما إني لم أكن في صلاةٍ . ولكني لُدغتُ . قال : فماذا صنعتَ ؟ قلتُ : استرقيتُ . قال : فما حملك على ذلكَ ؟ قلتُ : حديثٌ حدثناه الشعبيُّ . فقال : وما حدثكمُ الشَّعبيُّ ؟ قلت : حدثنا عن بُريدةَ بنِ حصيبٍ الأسلميٍّ ؛ أنهُ قال : لا رقيةَ إلا منْ عينٍ أو حُمةٍ . فقال : قد أحسنَ منِ انتهى إلى ما سمعَ . ولكنْ حدثَنا ابنُ عباسٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال : عُرضتْ عليَّ الأممُ . فرأيتُ النبيَّ ومعهُ الرُّهيطُ . والنبيَّ ومعهُ الرجلُ والرجلانِ .والنبيَّ ليس معهُ أحدٌ . إذْ رُفعَ لي سوادٌ عظيمٌ . فظننتُ أنَّهُم أمَّتي . فقيلَ لي : هذا موسى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقومُهُ . ولكنِ انظُر إلى الأفقِ . فنظرتُ . فإذا سوادٌ عظيمٌ . فقيل لي : انظُر إلى الأُفقِ الآخرِ . فإذا سوادٌ عظيمٌ . فقيل لي : هذهِ أمَّتُكَ . ومعهُم سبعونَ ألفًا يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ . ثم نهض فدخل منزلَهُ . فخاضَ الناسُ في أولئكَ الذينَ يدخلونَ الجنةَ بغيرِ حسابٍ ولا عذابٍ . فقال بعضُهُم : فلعلَّهُمُ الذينَ صحِبوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وقال بعضُهُمْ : فلعلهمُ الذينَ وُلدوا في الإسلامِ ولم يشركُوا باللهِ . وذكَروا أشياءَ . فخرج عليهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال : ما الذي تخوضونَ فيهِ ؟ فأخبروهُ . فقال همُ الذينَ لا يَرقُونَ . ولا يسترقُوونَ . ولا يتطيرونَ . وعلى ربهمْ يتوكلونَ فقامَ عُكَّاشةُ بنُ محصنٍ. فقال : ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهمْ . فقال أنتَ منهُمْ ثم قام رجلٌ آخرُ فقال : ادعُ اللهَ أن يجعلَني منهُم . فقال سبقكَ بها عُكَّاشَةُ .} ( رواه البخارى ومسلم )

وجه الدلالة : خوض الصحابة فى السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، وعلمهم أنهم لم يستحقوا هذه المرتبة إلا بالعمل .

ب - عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - قال : كنا في مجلسٍ ، فطلع علينا رسولُ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ -  وعلى رأسهِ أثرُ ماءٍ ، فقلنا : يا رسولَ اللهِ نراك طيِّبَ النفسِ ، قال : أجلْ ، قال ، ثم خاض القومُ في ذكر الغِنى ، فلا بأسَ بالغِنى لمنِ اتَّقى اللهَ - عز وجل -  والصحةُ لمنِ اتَّقى خيرٌ منَ الغِنى ، وطيبُ النفسِ منَ النعيمِ . } ( أخرجه أحمد وصححه الألبانى )

قال القارى – رحمه الله – " فى مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح  ": { ( عن رجل ) : سيأتي اسمه ( من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : كنا في مجلس فطلع علينا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ) أي : فظهر كطلعة الشمس (  وعلى رأسه أثر ماء  ) أي : من الغسل ( فقلنا : يا رسول الله نراك طيب النفس ) . أي : ظاهر البشر والسرور ومنشرح الخاطر على ما يتلألأ منك من النور . ( قال :  أجل  ) . بفتحتين وسكون اللام المخففة أي : نعم ( قال ) أي : الرجل الراوي ( ثم خاض القوم ) أي : شرعوا وبالغوا ( في ذكر الغنى ) أي : في سؤاله أو ذم حاله وسوء مآله . ( فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : ( لا بأس بالغنى لمن اتقى الله عز وجل ) . أشار بقوله : لا بأس أن الفقر أفضل لمن اتقى الله ( والصحة  ) أي : صحة البدن ، ولو مع الفقر لمن اتقى (  خير من الغنى  ) ، أي : مطلقا ، أو المعنى وصحة الحال لمن اتقى المال ، خير من الغنى الموجب للحساب والعقاب في المآل ، ( وطيب النفس  ) أي : انشراح الصدر المقتضي للشكر ، والصبر المستوي عنده الغنى والفقر ( من النعيم ) أي : من جملة النعيم الذي يعبر عنه بجنة نعيم على ما قاله بعض العارفين في قوله تعالى : ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) جنة في الدنيا وجنة في العقبى  . وقيل : من النعيم المسئول عند المذكور في قوله تعالى : ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم  ) وهو لا ينافي ما ذكرناه فإنه الفرد الأكمل من جنس النعيم الذي لا ينبغي أن يقال لغيره بالنسبة إليه أنه النعيم ، فإن ما عداه قد يعد كونه من الماء الحميم ، أو من عذاب الجحيم . ( رواه أحمد ) . وكذا ابن ماجه والحاكم ، عن يسار بن عبد على ما في الجامع ، فتبين إبهام الرجل مع أن جهالة الصحابي لا تضر ، فإن الصحابة كلهم عدول .} أهـ .

3- الخوض المباح :-

هو الخوض فى المباحات من أمور الدنيا ، من المأكل والمشرب والملبس وغيرهم .

المستشار / أحمد السيد على إبراهيم

** نائب رئيس هيئة قضايا الدولة ، والكاتب بمجلة التوحيد


المصدر المصريون

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق