وقفات مع حديث "لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"

المصريون 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد .... فمن أعظم أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم حديث أنس بن مالك ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) [ متفق عليه ] فهو أصل عظيم في محبة المسلمين والنصح لهم وإيثارهم ومعاملتهم كمعاملة النفس ، ولو وعاه المسلمون وعملوا بما جاء به لاستقامت أمور الناس وقل الفساد المستشرى فى كل مناحى الحياة . ولأهمية هذا الحديث ، فقد بوب البخارى بابا فى كتاب الإيمان فى صحيحه بعنوان  ( باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) كما بوب مسلم فى صحيحه فى كتاب الإيمان بابا بعنوان (باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير) وذكره النووى فى كتابه الأربعين النووية برقم ثلاثة عشر .

ولنا مع هذا الحديث الوقفات الآتية :-

الوقفة الأولى : معنى نفى الإيمان :-

ورد نفى الإيمان فى القرآن والسنة فى مواضع عدة ، ولم يأت النفى على معن واحد ، بل على معنيين هما :-

الأول : نفى أصل الإيمان لإنتفاء بعض أركانه : بحيث يصير العبد كافرا بتركه لأصل الإيمان ، ومنه قوله تعالى ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). [ النساء 65 ] فمن إعتقد عدم صلاحية شرع الله للتطبيق فى العصر الحالى ، أو أن شرع غير الله أفضل من شرع الله أو يساويه أو وجوب تنحية شرع الله عن التطبيق واستبداله بالقوانين الوضعية لرجعية الشريعة ، فهذا قد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، بخلاف من يقر بوجوب تطبيق شرع الله ولا يستطيع تطبيقه لوجود ما يمنعه  من التطبيق ، فهو مسلم وليس بكافر .

الثانى : نفى لكمال الإيمان الواجب لإنتفاء بعض واجباته : ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) متفق عليه. 

ولكل مرتبة نظائر في الأدلة الشرعية والسياق والقرائن تدل عليها فإن كان المنفي ركنا حمل النفي على أصل الدين وإن كان المنفي واجبا حمل على كماله الواجب .

والنفى الوارد فى الحديث الذى بين أيدينا نفى لكمال الإيمان الواجب ، وليس نفى لأصل الإيمان كما ذكره العلامة ابن العثيمين رحمه الله فى شرحه للأربعين النووية حيث قال : " قوله: "لاَيُؤمِنُ أَحَدُكُمْ" أي لا يتم إيمان أحدنا، فالنفي هنا للكمال والتمام، وليس نفياً لأصل الإيمان. فإن قال قائل: ما دليلكم على هذا التأويل الذي فيه صرف الكلام عن ظاهره؟ قلنا: دليلنا على هذا أن ذلك العمل لا يخرج به الإنسان من الإيمان، ولا يعتبر مرتدّاً، وإنما هو من باب النصيحة، فيكون النفي هنا نفياً لكمال الإيمان. فإن قال قائل: ألستم تنكرون على أهل التأويل تأويلهم؟ فالجواب: نحن لاننكر على أهل التأويل تأويلهم، إنما ننكر على أهل التأويل تأويلهم الذي لادليل عليه، لأنه إذا لم يكن عليه دليلٌ صار تحريفاً وليس تأويلاً، أما التأويل الذي دلّ عليه الدليل فإنه يعتبر من تفسير الكلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " اللَّهُمَّ فَقِّههُ فِي الدِّيْنِ وَعَلِّمْهُ التَّأوِيْلَ " [ أخرجه البخارى ] فإن قال قائل: في قول الله تعالى: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98) المراد به: إذا أردت قراءة القرآن، فهل يعتبر هذا تأويلاً مذموماً، أو تأويلاً صحيحاً؟ والجواب: هذا تأويل صحيح، لأنه دلّ عليه الدليل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوّذ عند القراءة لا في آخر القراءة . وإذا قال قائل: في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)(المائدة: الآية6) إن المراد إذا أردتم القيام إليها، فهل يعتبر هذا تأويلاً مذموماً، أو صحيحاً ؟ والجواب: هذا تأويل صحيح. وعليه فلا ننكر التأويل مطلقاً، إنما ننكر التأويل الذي لا دليل عليه ونسميه تحريفاً. " أهـ

ومما يدل على أن النفى هاهنا نفى للإيمان الواجب وليس المستحب ، قول شيخ الإسلام إبن تيمية فى كتابه الإيمان الكبير حيث قال : " ثم إن نفي " الإيمان " عند عدمها ; دل على أنها واجبة وإن ذكر فضل إيمان صاحبها - ولم ينف إيمانه - دل على أنها مستحبة ; فإن الله و رسوله لا ينفي اسم مسمى أمر - أمر الله به ورسوله - إلا إذا ترك بعض واجباته كقوله: {لا صلاة إلا بأم القرآن}. وقوله: {لا إيمان لمن لا أمانة له , ولا دين لمن لا عهد له} ونحو ذلك فأما إذا كان الفعل مستحبا في " العبادة " لم ينفها لانتفاء المستحب فإن هذا لو جاز ; لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج ; لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ; بل ولا أبو بكر ولا عمر. فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه ; لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين , وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفي هو الكمال فإن أراد أنه نفي " الكمال الواجب " الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة ; فقد صدق. وإن أراد أنه نفي " الكمال المستحب " فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ولا يجوز أن يقع " أهـ

الوقفة الثانية :- شمول الحكم للرجال والنساء :-

فقوله صلى الله عليه وسلم ( لايؤمن أحدكم ) وإن كان خطابا للرجال ، إلا أنه يشمل الرجال والنساء لاشتراكهما فى الحكم ، فالمرأة لاتؤمن حتى تحب لأختها ما تحبه لنفسها ، فعن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا قال لأغسل عليه قالت أم سلمة يا رسول الله هل على المرأة ترى ذلك غسل قال نعم إن النساء شقائق الرجال ) [رواه الترمذى وصححه الألبانى ] والمعنى والله أعلم أنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع ؛ كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة.

الوقفة الثالثة : شمول الحكم أن يكره له مايكره لنفسه :-

دل الحديث على أن من خصال الإيمان المستحبة أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه فيأتيه بما يحب أن يؤتى به ويمنع عنه ما يحب أن يمنع عنه من الأذى وينصح له ويجتهد في أداء حقوقه واحترامه وتقديره والنظر في مصالحه. وأعظم ذلك إن رأى نقصا في دين أخيه اجتهد في إصلاحه. قال بعض السلف (أهل المحبة لله نظروا بنور الله وعطفوا على أهل معاصي الله مقتوا أعمالهم وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم وأشفقوا على أبدانهم من النار). وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ - رضي الله عنه -: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الإيمان، قال: ((أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ للِه وَتُبْغِضَ فِي اللهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللهِ)) قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: ((وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَقُولَ خَيْراً أَوْ تَصْمُتَ))[ ضعفه الألبانى ].

فإذا لم يكره المسلم المعصية  وأحبها لنفسه ، فهل يجوز له أن يحبها لأخيه ؟ فالجواب بالقطع لا ، لأن الحديث ليس على إطلاقه ، بل هو مقيد بمحبة الخير فقط ،  فالمؤمن مأمور بأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير فعن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ من الخيرِ" [ رواه النسائى وصححه الألبانى ] ومن ثم فإن كان الإنسان على معصية ويحبها فلا يجوز له أن يستدل بهذا الحديث على محبتها لأخيه ، لأن المحبة لأخية مقيدة بمحبة الخير لا الشر ، ومثال ذلك لايجوز لمسلم أن يحب لأخيه شرب الدخان لأنه يحبه لنفسه ، مستدلا بالإطلاق فى الحديث السابق ، لأن الحديث قد قيد فى الرواية الثانية ، بمحبة الخير ، لا الشر .

الوقفة الرابعة : معنى الأخوة الواردة فى الحديث :-

تأتى الأخوة فى القرآن والسنة على عدة معان هى :

الأول : أخوة الدين :- قال تعالى " إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلكُم تُرحَمون " (الحجرات: 9 و10) وقوله صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم . لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره . " [ رواه مسلم ]

الثانى : أخوة النسب البعيد :- فكل الناس مؤمنهم وكافرهم ، أخوة فى النسب العالى فالكل من اب واحد وأم واحدة ، قال تعالى " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] ومما يدل على ذلك قوله تعالى " كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون " [ الشعراء 105/106 ] وقوله " كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون " [ الشعراء 123/124 ] وقوله " كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون " [ الشعراء 141/142 ] وقوله " كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون " [ الشعراء 160/161 ] فقد نسب الله أنبياءه إلى قومهم بلفظ ( أخوهم ) وأراد به أخوة النسب ، لا الدين ، إذ أن هذه الأخوة تنتفى بين المؤمن والكافر ، وليس أدل على ذلك ، من أن الله عز وجل بعد أن اثبت لشعيب أخوة النسب بينه وبين قومه فى قوله تعالى " وإلى مدين أخاهم شعيبا " [ هود 84 ] لم يذكرها فى سورة الشعراء حيث قال تعالى " كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون " [ الشعراء 176/177] قال إبن كثير فى تفسيره : " هؤلاء - أعني أصحاب الأيكة - هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب ؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة ، وهي شجرة. وقيل : شجر ملتف كالغَيضة ، كانوا يعبدونها ؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب" ، وإنما قال: " إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ " ، فقطع نسبة الأخوة بينهم ؛ للمعنى الذي نسبوا إليه ، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس مَنْ لم يتفطن لهذه النكتة ، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام ، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم مَنْ قال: ثلاث أمم ." أهـ

الثالث : أخوة النسب القريب :- وهم :-

1- بنو الأعيان : وهم الأخوة الأشقاء ، من أب واحد وأم واحدة .

2- بنو العلات : وهم الأخوة لأب واحد وأمهات شتى ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " أنا أولى الناسِ بعيسى بنِ مريمَ . في الأولى والآخرةِ قالوا : كيف ؟ يا رسولَ اللهِ ! قال : الأنبياءُ إخوةٌ من عَلَّاتٍ . وأمهاتُهم شتى . ودينُهم واحدٌ . فليس بيننا نبيٌّ " [ رواه مسلم ]

والدليل على النوعين السابقين ، قوله تعالى " يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ? إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ? وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ? فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ? وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ? يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [ النساء 176 ] والمقصود بها الإخوة والأخوات الأشقاء ولأب للإجماع على ذلك .

3- بنو الأخياف : وهم الإخوة من أم واحدة وآباء شتى ، والدليل عليه قوله تعالى " " وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أخْتٌ " [ النساء 11] والمقصود بها الإخوة والأخوات لأم لقراءة سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه " وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أم " [ أخرجه سعيد بن منصور والدارمى ] وللإجماع على ذلك .

سبب التسمية : قال الشيخ مصطفى السيوطى الرحيبانى فى كتابه مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى : " الإخوة والأخوات الأشقاء بني الأعيان ؛ لأنهم من عين واحدة ، ( و ) اسم الإخوة والأخوات إذا كانوا ( للأب ) فقط ( بني العلات ) جمع علة ، بفتح العين المهملة ( أي : الضرات ) وبنو العلات بنو أمهات شتى من رجل ؛ لأن الذي يتزوجها على أولى ، كان قد تأهل قبلها ، ثم عل من هذه ، ( و ) اسم الإخوة والأخوات ( للأم بني الأخياف ) - بالخاء المعجمة تليها ياء تحتية مثناة - سموا بذلك ؛ لأن الأخياف الأخلاط ، فهم من أخلاط الرجال ليسوا من رجل واحد " أهـ

معنى الإخوة فى الحديث : اختلف العلماء فى ذلك على رأيين :

الأول : انها أخوة الدين : دليله قوله صل الله عليه وسلم فى الحديث السابق " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولايخذله ولا يحقره " كما أن الغالب أن الأخوة إذا ذكرت مطلقة في النصوص فإنما يقصد بها أخوة الإيمان .

الثانى : أنها الأخوة بمعانيها الثلاث : فتشمل المسلم والكافر ، فيكون المقصود من ذلك: أنه يحب لأخيه في النسب العالي البعيد الهداية والاستقامة، وأن تحصل الهداية للكافر كما حصلت الهداية له، فتكون الأخوة هنا أعم من أخوة الدين . دليله مارواه مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاَلْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأتِ إِلى النَّاسِ الَّذِي يُحبُّ أَنْ يُؤْتَى إِليَهِ) فكلمة الناس عامة تشمل المسلم وغيره .

الراجح : ما ذهب إليه أصحاب الرأى الثانى من أنها تشمل المعانى الثلاث فلايجوز للمسلم أن يعامل غير المسلمين من الذميين والمستأمنين والمعاهدين بغير ما يحب لنفسه ، فلا يجوز له أن يقتلهم ، ولا أن يزنى بنسائهم ولاأن يسرق أموالهم ، ويحب لهم الهداية إلى الإسلام ، ولكن لايحب لهم ما يقويهم على شركهم وكفرهم من كثرة الأموال والأولاد والعتاد ، وإن كان يحب ذلك لنفسه لاختلاف النيتين ، فنيته من كثرتهم الإستعانة بهم على طاعة الله بينما نية الكافر الاستعانة بهم على ما هو عليه من الكفر .

الوقفة الخامسة : الإيثار فى القرب مكروه وفى غيرها مستحب :-

مقتضى الحديث أن المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وهذا يكون فى :-

1- أمور الدنيا  : فإن محبة الخير لأخيه كما يحب لنفسه مستحب ، لأن الإيثار بها مستحب، وليس بواجب، فيحب لأخيه أن يكون ذا مال مثل ما يحب لنفسه ، ويحب لأخيه أن يكون ذا وجاهة مثل ما له ، فهذا مستحب يعني: لو فرط فيه لم يكن كمال الإيمان الواجب منفيا عنه؛ لأن هذه الأفعال مستحبة . 

2- أمور الدين : أو الأمور التي يرغب فيها الشارع وأمر بها أمر إيجاب أو أمر استحباب وكذلك ما نهى عنه الشارع، فيحب لأخيه أن ينتهي عن المحرمات ويحب لأخيه أن يأتي الواجبات، فإذا لم يحب له هذا ، لأنتفى عنه كمال الإيمان الواجب .

ويتفرع عن هذا مسألة الإيثار، والإيثار منقسم إلى قسمين:

أ- إيثار بالقرب : أما الإيثار بالقرب فإنه مكروه لأنه يخالف ما أمرنا به من المسابقة في الخيرات والمسارعة في أبواب الطاعات قال تعالى " سَابِقُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. " [ الحديد 21] وقوله تعالى " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) وقوله " فاستبقوا الخيرات " [ البقرة 148 ] فالمسارعة والمسابقة تقتضي أن كل باب من أبواب الخير يسارع إليه المسلم ويسبق أخاه إليه " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " [ المطففين 26 ] ومن ثم يتضح خطأ من يقوم بتقديم غيره للوقوف مكانه فى الصف الأول فى الصلاة ورجوعه هو إلى الصف التالى ، مخالفا قوله صلى الله عليه وسلم " لو يعلمُ الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ، ثم لم يجدُوا إلا أن يستهِموا عليه لاسْتهَموا عليه " [ رواه البخارى ] – معنى لاستهموا عليه ،أى اقترعوا عليه 

ب - إيثار في أمور الدنيا : يعني في الطعام في الملبس في المركب في التصدر في مجلس أو ما أشبه ذلك فهذا مستحب أن يؤثر أخاه في أمور الدنيا لما رواه البخارى عن ابى هريرة رضى الله عنه أن رجلًا أتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فبعَث إلى نسائِه فقُلْنَ : ما معَنا إلا الماءُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( مَن يضُمَّ أو يُضَيِّفَ هذا ؟ ) . فقال رجلٌ من الأنصارِ : أنا، فانطلَق به إلى امرأتِه، فقال : أكرِمي ضيفَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، فقالتْ : ما عِندَنا إلا قوتُ صبياني، فقال : هيِّئي طعامَكِ، وأَصبِحي سِراجَكِ، ونوِّمي صبيانَك إذا أرادوا عَشاءً . فهيَّأتْ طعامَها، وأصبَحَتْ سِراجَها، ونوَّمتْ صبيانَها، ثم قامتْ كأنها تُصلِحُ سِراجَها فأطفأتْه، فجعلا يُرِيانِه أنهما يأكلانِ، فباتا طاوِيَينِ، فلما أصبَح غَدا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال : ( ضَحِكَ اللهُ الليلةَ، أو عَجِبَ، من فِعالِكما ) . فأنزَل اللهُ : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. " 

الوقفة السادسة : الفضيلة الدينية والدنيوية :-

إذا رأى المسلم غيره فاق عليه في فضيلة فتمنيه لها لنفسه له حالتان:

1- إن كانت تلك الفضيلة دينية : كالعلم والعبادة وغيرها استحب له أن يتمنى ذلك كما تمنى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه منزلة الشهادة. وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) [ متفق عليه ] فتمني المرء لما أعطي أخاه من الفضائل لا ينافي محبة الخير والنصح له لأنه من باب التنافس في طاعة الله والمسابقة بالخيرات.

2- إن كانت تلك الفضيلة دنيوية : فلا يشرع له تمنيها ولا خير في ذلك كما ذم الله عز وجل قوم قارون بقوله: ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [ القصص 79 ] وقال تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [ النساء 32 ] فيكره للعبد تمني ذلك لأن الدنيا ليست مقصودة لذاتها وقد تكون وبالا عليه وقد يحصل مع ذلك نوع من الحسد. قال بعض السلف: (إذا رأيت من ينافسك في الدنيا فنافسه في الدين). 

كما أن محبة الخير للغير لا تنافي أن يكره المرء أن يفوقه أحد في الجمال فلا يذم ولا يأثم من كره ذلك. فقد أخرج أحمد من حديث ابن مسعود قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنده مالك الرهاوي فأدركته وهو يقول يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو من البغي فقال: (لا ليس ذلك بالبغي ولكن البغي من بطر أو قال سفه الحق وغمص الناس) [ صححه أحمد شاكر ] أما إذا فعل ذلك من باب الكبر والفخر على الناس فهذا مذموم قد نهى عنه الشرع وعليه تحمل آثار السلف وهو مناف لمحبة الخير للمسلمين. 

الوقفة السابعة : إستحقاق الجنة لمن اتصف بهذه الفضيلة :- 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) رواه مسلم. وعن يزيد القسري قال قال لي رسول الله: (أتحب الجنة قلت نعم قال فأحب لأخيك ما تحب لنفسك) [ رواه أحمد ] وذلك أنه لما كان المسلم محسنا لإخوانه في الحياة الدنيا مشفقا عليهم حريصا على نفعهم جازاه الله بالإحسان في الآخرة وأدخله دار كرامته. 

الوقفة الثامنة : استحقاق النار لمن أعرض عن هذه الفضيلة :-

فمن أعرض عن العمل بهذا الحديث فى أمور الدين ، فهو آثم ، مستحق للعقاب فى الآخرة ، قال تعالى ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ الناس لرب العالمين ) [ المطففين 1/6 ] فقد توعد الله المطففين بالعذاب ، لأنهم لم يحبوا لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم من استيفاء الكيل ، فقوله تعالى (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ،  وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) تدل على أن عقابهم على التطفيف راجع إلى أنهم لم يتعاملوا مع إخوانهم بالمثل ، فلم يحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم ، وإلا لم يكن لذكر قوله تعالى (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) أى فائدة ، ولاقتصر على قوله تعالى ( ويل للمطففين ) وذكر صفتهم  المذمومة أنهم يبخسون الناس ويخسرونهم فى الكيل فقط  . أما إن أعرض عن العمل بالحديث فى أمور الدنيا ، فإن كان عدم محبته راجعا إلى الحسد فهو حرام ، وإن كان راجعا إلى غير ذلك فهو مكروه . 

الوقفة التاسعة : أمثلة من سلفنا الصالح :-

كان السلف الصالح رحمهم الله يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم وينصحون لهم وهذا يدل على تجردهم عن حظوظ أنفسهم وصدقهم وكمال إخلاصهم وحرصهم على إعلاء كلمة الله ونصرة دينه وخوفهم من العلو في الأرض.

فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شاباً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه، مه، فقال: ((ادنه))، فدنا منه قريباً، قال: فجلس، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم))، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم))، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم))، قال - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا والله جعلني الله فداءك قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)) قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه))، قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيءٍ[وصححه الألبانى ]

و روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر رضي الله عنه : (يا أبا ذرٍّ إني أراكَ ضعيفًا وإني أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لنفسي لا تَأَمَّرَنَّ على اثنيْنِ ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيمٍ ) .

وقال ابن عباس: (إني لأمر على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم) وعن زياد بن الرّبيع اليحمديّ عن أبيه قال: «رأيت محمّد بن واسع يبيع حمارا بسوق بلخ فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه» رواه ابن أبي الدنيا في كتاب العلم وكتاب الورع ). و (كان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أعماله أخرج لي ماء أو تمرات أفطر عليها ليكون لك مثل أجري).

الوقفة العاشرة : أمثلة من الواقع المعاصر :-

وقد قل العمل بهذا الخلق الكريم في الناس اليوم فترى المرء يقصر كثيرا في أداء حقوق إخوانه في الوقت الذي يستقصي حقه ويشح بماله. وتراه يبخس الناس ويأكل أموالهم في سبيل حصوله على عرض الدنيا بل تراه لا يتورع أبدا عن خداع الناس وغشهم وترك مقتضى النصيحة لهم. وقد يرى أخاه مشرفا على ضرر أو سالكا للطريق الخطأ في أمر من أمور الدنيا فيبخل عليه بنصيحته ويمنعه التوجيه إلى الصواب ، ومن أمثلة ما يحدث الآن مانراه من سرقة لأسوار الكبارى ، وأغطية البلاعات ، وأغطية أعمدة الكهرباء ، وكابلات التليفونات ، وقضبان السكك الحديدية ، ، وكذا إستيراد الأغذية الفاسدة ، والمبيدات المسرطنة ، وقطع الغيار المغشوشة ، وما يترتب عليه من هلاك الأنفس ، والأموال ، فلو وضع هؤلاء أنفسهم مكان إخوانهم فحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم ، لما أقدموا على ذلك ، ولزال هذا الفساد ، ولكن لتقصيرهم فى العمل بهذا الحديث ، فقد ظهر الفساد فى البر والبحر ، فنسأل الله أن يوفق المسلمين للعمل بهذا الحديث لتتحق سعادتهم فى الدنيا والآخرة . آمين .

** نائب رئيس هيئة قضايا الدولة والكاتب بمجلة التوحيد


المصدر المصريون

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق