الاجهاض خارج نطاق القانون

المصريون 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

أن الإجهاض في القانون المصري من الجرائم كثيرة الحدوث في الحياة العملية، ومع ذلك فإنه قليلًا ما تصدر في مواجهتها أحكام بالإدانة في مصر وتفسير "ذلك لاعتماد الجريمة في وقوعها على عنصر الخفاء فلا يبلغ عنها، وإنما تكتشف بمحض الصدفة، خصوصًا إذا ما أدى الإجهاض إلى وفاة الحامل". 

حتى إذا اكتُشِفت فإنه من الصعب إثباتها". و "كما أن قلة أحكام الإدانة قد يكون سببها تفهُّم القاضي للظروف الاجتماعية أو الاقتصادية التي قد تدعو بعض الأمهات أو العازبات للإجهاض، الأمر الذي يدفع القاضي إلى محاولة تلمس أسباب البراءة". 

لذلك تأتي اهمية البحث :- 

أهمية البحث :

الواقع انه إذا كان سبق أن بينا بان لهذا البحث أهميته في نطاق القانون الجنائي على أساس انه لا يوجد تشريع يقر عدم العقاب على الإجهاض مطلقا ، ومن ثم فقد حق لرجال الفقه الجنائي بدورهم أن يجعلوه موضعا لبحثهم ، إلا أن هذه الأهمية لا تبرز في نطاق القانون الجنائي فحسب ، و لكن أيضا في نطاق القوانين المنظمة لمهنتي الطب و التوليد ، و الشريعة الإسلامية.

كما تبدو أهمية هذا البحث في أن ما يقوم به الأطباء من أعمال مهنتهم ، عملية الإجهاض ، لذلك فهم في حالة ماسة لمعرفة الحالات التي يسمح فيها القانون لهم بإجراء هذه العملية دون أن يخضعوا لطائلة قانون العقوبات ،لا سيما أن المشرع قد جرم الأفعال التي يترتب عليها إسقاط الحوامل بصفة عامة، و شدد العقاب إذا كان محدث الفعل طبيبا أو من في حكمه .     وفضلا عما تقدم فان أهمية البحث تبرز الآن في ظل التقدم العلمي الهائل في مجال العلوم الطبية و الذي توصل إلى إمكانية إتمام عملية تلقيح بويضة الأنثى في أنبوبة خارج الرحم ثم إعادتها إليه لتنمو طبيعيا و تتطور إلى أن تتم ولادة الطفل، و هو ما يعرف علميا بطفل الأنبوبة ..فليس هناك من شك في أن هذا العمل الطبي الحديث قد أثار مشكلة جديدة في البحث القانوني لجريمة الإجهاض، إذ ما الحكم إذا تم إتلاف البويضة الملقحة قبل زرعها في رحم الأم ، عمدا أو عن طريق الخطأ ؟ و بعبارة أخرى هل يعتبر إتلاف البويضة الملقحة في حالة طفل الأنبوبة يعد إجهاضا ؟

تعريف الاجهاض

الإجهاض كما تُعرفه كُتب القانون إسقاط المرأة لجنينها قبل ولادته إسقاطا" صادرا" عن فعل إرادي وذلك إمّا بفعلها أو بفعل شخص آخر فالإجهاض في الواقع ليس جريمة تُرتكب ضد الأخلاق والآداب كالزنا والاغتصاب وما إلى ذلك ولا هي جريمة مُرتكبة ضد الأشخاص كالقتل كما أنها لا تُرتكب ضد الأموال كالسرقة والاحتيال وسوء الائتمان ولا هي جريمة مُرتكبة ضد أمن الدولة كالتجسس والخيانة يُمكن اعتبار الإجهاض جريمة تُرتكب ضد المُجتمع بأسره لذلك عاقبت عليه قوانين العقوبات والخاصة فالأساس أنّ إجهاض المرأة الحامل بفعلها أو بفعل شخص آخر سواء في بدء الحمل أو في نهايته وسواء أكان شروعا" بالإجهاض أو أنه تمّ إنجازه بالفعل جريمة تُعاقب عليها القوانين 

 لكنّ الاختلاف ليس بتجريم الفعل وإنمّا بالعقوبة المُعاقب عليها على هذا الفعل  قبل طبيب حيثُ تدلُ الإحصاءات في مُختلف البلدان أنّ أذى جرم الإجهاض لا ينحصر على قتل الجنين وإماتته بل كثيرا" ما ينال من صحة المرأة الحامل نفسها فتنتابها أعراض وتُصاب بأمراض وعاهات قد تنال من حياة المرأة نفسها 

أكد تقرير طبي أصدره المركز القومي للسكان في مصر أن 47% من نساء مصر أجرين عمليات إجهاض، وأن ألف عملية إجهاض تجري يوميًا في المستشفيات والعيادات السرية، يأتي هذا التقرير في أعقاب اكتشاف جثث أطفال تتراوح أعمارهم ما بين ثلاثة وثمانية أشهر بعيادة أحد كبار الأطباء 'القاهرة' يحتفظ بها في عيادته عقب إجرائه عمليات إجهاض غير شرعية.

تجريم عمليات الإجهاض

يجرم القانون المصري عمليات الإجهاض ولا يسمح بها لأي سبب، إلا إذا كان الحمل يشكل خطرًا مؤكدًا على حياة الأم. ان الطبيب الذي يقوم بعملية الإجهاض، لذلك فإن الطبيب الذي يجري عمليات الإجهاض، يواجه حكمًا بالسجن يراوح بين 3 و 15 عامًا. لذلك، تضطر النساء إلى اللجوء إلى أطباء يعملون في عيادات سرية ويتقاضون مبالغ ضخمة، وبعضهن يلجأن إلى طرق بدائية وغير آمنة للإجهاض.

وقد حددت المواد من 260 إلى 264 من قانون العقوبات أن كل من أسقطت حملها عمدًا تعاقب بالحبس مدة أقصاها ثلاث سنوات، وتوقع العقوبة نفسها على من يجهضها بموافقتها إذا لم يكن طبيبًا أو صيدليًا أو قابلة.. فإذا كانت كذلك تزاد العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى 15 سنة وتعاقب نقابة الأطباء من يثبت في حقه القيام بهذه العمليات المحرمة بعقوبة تتراوح ما بين الإنذار والشطب من مهنة الطب نهائيًا.

إن الإجهاض جريمة نظيفة بلا أدلة يتركها المجرم خلفه. ويضيفون أن ثغرات الهروب من العقاب لا عدد لها، ويستدلون على ذلك بعدم الاشتراط لإجرائها أن يكون الطبيب متخصصًا في النساء والولادة؛ وأوضحوا أنه يمكن لأي طبيب في أي تخصص القيام بها بدءًا من الممارس العام، وحتى الأنف والأذن والحنجرة.

وتأتي خطورة عمليات الإجهاض، في إن هناك 190 حالة وفاة للأم من بين كل ألف حالة إجهاض متعمد، وبخاصة إذا حدث ذلك بالطرق البلدية أو باستخدام العنف أو الداية، وذلك وفقًا لدراسة ميدانية أجراها مركز البحوث الاجتماعية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. إن عمليات الإجهاض شديدة الخطورة على حياة الأم؛ لأن كثيرًا من الأبحاث العالمية أكدت تزايد احتمالات وفاة الأم المجهضة بنسبة 15% إلى 10% مقارنة بتلك التي تلد في موعدها الطبيعي. الموت ليس الخطر الوحيد الذي يهدد هذه النوعية من النساء.. فهن معرضات أيضًا للنزيف الشديد والتلوث والعقم الثانوي والتهابات الحوض وتمزقات وثقوب الرحم والتهاب 'البريتون'، وبخاصة في حالة الإجهاض باستخدام الوصفات البلدية.. بالإضافة إلى إمكانية الإصابة بمرض سرطان الثدي بنسبة 50%.و أن 34% من السيدات لجأن إلى الإجهاض المتعمد لأسباب مختلفة، منها الحالة الاقتصادية، وكراهية الزوج، وعدم الرغبة في إنجاب طفل آخر، وطموحات العمل بالنسبة للزوجات العاملات والحمل في سن متأخرة.

وتتعدد أسباب الإجهاض، ما بين اضطرارية، واختيارية: 

أسباب الإجهاض

1- الأسباب الاضطرارية: 

- المتعلقة بصحة الجنين، كوجود نقص أو عيب خِلْقِي في الجنين، مما يتعذر معه استمرار حياته، أو يصبح مشوهًا إذا ولد وكبر.

- المتعلقة بصحة الأم: مثل العيوب الخلقية بالرحم كانثناء رحم الحامل إلى الخلف، أو معاناتها من بعض الأمراض كالزهري، وأمراض الكلى، والبول السكري، والحميات المعدية، والتسمم الكحولي المزمن، والتهابات الجهاز التناسلي، ونقص إفرازات الغدد الصماء الداخلية، واستعمال الأدوية الضارة، والتعرض للإشعاع. 

2- الأسباب الاستثنائية: كالانفعالات النفسية والصدمات العصبية: كالحزن، والخوف، والغضب، أو تعرض الحامل لأضرار بدنية، كالوقوع بشدة على الأرض، أو حمل أشياء ثقيلة، أو السفر المجهد لمسافات طويلة، أو القيام بمجهود شاق. لذا يجب على كل أم ضرورة الحذر -خاصة في الشهرين الثاني والثالث- على الحمل.

3- الأسباب الاختيارية: وتأتي بإقدام الحامل على إسقاط الجنين طوعًا لظروف خاصة، كأن يكون جنينها نتيجة ارتكاب الفاحشة فهي تخاف من الفضيحة، أو إجبار الزوج للزوجة على التخلص من الجنين لعدم رغبته في الإنجاب، أو الاتفاق بين الزوجين هربًا من المسؤولية أو سعيًا لتأخير الإنجاب.

إذا تركنا الفرض النظري الذي يتعارض في القانون مع الشريعة ، ففي تقديرنا أن المشكلة الواقعية هي الصعوبة التي يواجها الطبيب في بعض الحالات التي تعرض عليه في معرفة حكم القانون من ناحية ، ثم معرفة ما إذا كان حكم القانون يتفق أو يخالف الشريعة . وللأطباء عذرهم في ذلك إذ لم يتلقوا في دراستهم شيئا عن مبادئ القانون ولا عن أحكامه وأحكام الشريعة فيما يتعلق بالأعمال التي يمارسونها .

 وإذا كان صحيحا أن كل من يمتهن مهن ، كالطبيب والصيدلي والمهندس والمحاسب .. الخ ، عليه قبل أن يزاول مهنته أن يعلم ، بوسائله الخاصة قدرا كافيا من المعلومات عن أحكام القانون فيما يتعلق بحقوقه وواجباته المتصلة بعمله ، حتى يقدم على ممارسة العمل عن بينة ، إلا أن خطورة عمل الطبيب تقتضي 

فيما نرى ـ أن تقوم الدولة بطريقة منظمة بالإسهام في تزويد الطبيب بالمعلومات الضرورية في هذا الخصوص . ولذلك نقترح أن يعطي الأطباء ، في أثناء دراستهم في كلية الطب أو عند بدء ممارستهم أعمالهم ، دراسة علمية حول حقوق وواجبات الطبيب في مزاولته لمهنته. ويحسن أن يكون هناك كتيب مبسط يرجع إليه الطبيب كلما عرض عليه ما يدعو إلى التساؤل . ولعله من الأفضل ، إرضاء للشعور الديني عند الطبيب ، أن تقترن المعلومات القانونية التي تعطي للطبيب في هذا الخصوص ببيان أحكام الشريعة الإسلامية في شأنها .

والأصل العام أن الطبيب ، كأي شخص يقوم بعمل يخالف القانون يكون مخطئا ، ومن ثم مسئولا . ومن بين صور المسئولية ، المسئولية المدنية عما ينشأ عن الفعل الخاطئ من أضرار . إذ تنص المادة 277 / 1 من القانون المدني على أن " كل من أحدث بفعله الخاطئ ضررا بغيره يلتزم بتعويضه ، سواء كان في إحداثه الضرر مباشرا أو متسببا " . 

والسؤال الذي يعنينا هو : هل يعفى الطبيب إذا كان موظفا عاما من المسئولية إذا قام بالعمل المخالف للقانون ، أي العمل الخاطئ تنفيذا لأمر إداري من رئيسه ؟.

هنا نجد القانون المدني ، تقديرا لظروف الموظف العام الذي قام بالعمل الخاطئ تنفيذا لأمر صدر إليه من رئيسه ، يعفي الموظف من المسئولية بشروط معينة ، فقد نصت المادة 237 من القانون المدني عل أنه : ( لا يكون الموظف العام مسئولا عن عمله الذي أضر بالغير ، إذا أداه تنفيذا لأمر القانون أو لأمر صدر إليه من رئيسه ، متى كانت إطاعة هذا الأمر واجبة عليه . أو كان يعتقد لمبررات مقبولة أنها واجبة وأثبت أنه كانت لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه ، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة والحذر ".ومن هذا النص يتضح أنه يشترط للإعفاء من المسئولية عدة شروط نخص منها بالذكر أن يثبت الموظف أنه كان لديه أسباب معقولة جعلته يعتقد مشروعية العمل الذي أتاه ، أي يعتقد أن العمل لا يخالف القانون .

 فإذا لم يثبت الموظف ذلك ، رجعنا إلى الأصل العام وهو افتراض علم الموظف بأن عمله يخالف حكم القانون ، ومن ثم يكون مسئولا عما يترتب على عمله من أضرار . وعلى ذلك يجب على الطبيب الموظف ، إذا تلقى أمرا إداريا يخالف القانون أن يمتنع عن تنفيذه ، وإلا تحمل المسئولية المدنية عن الأضرار التي تلحق الغير بسبب عمله .

أن الاجهاض القسري الجنائية الذي يتم من وراء السلطات من اكبر الماسي في حياة المرأة و من أهم الأسباب آلتي تؤدى الي وفاء الأمهات لذا لابد من العمل على تقنين الاجهاض الآمن و على الحكومات أن تبدأ في الاستثمار في الاجهاض الآمن و الذي سوف يؤدى الي إنقاذ أرواح آلاف من النساء في العالم و الذي ثبت في التاريخ العالمي أن المرأة إذا واجهت أي حمل غير مرغوب فيه فإنها تلجأ إلي الاجهاض دون آن تفرق بين انه قانونيا او غير قانونيا وأن حوالى ثلث هؤلاء النسوة يواجهن مضاعفات خطيرة في حالتهم الصحية التي قد تؤدى إلي الموت. ولهذا يرى المجتمع الدولي أن على الحكومات القيام بإزالة هذه العوائق القانونية و توفير خدمات الاجهاض الآمن حتى تقلل من حدوث هذه المضاعفات.

أن في حالة عدم إزالة هذه العوائق القانونية فان الكادر الطبي المؤهل لا يجد الشجاعة الكافية لممارسة الاجهاض الآمن في المستشفيات و المراكز حيث يتم معالجة الطبقات الفقيرة من المجتمع حيث آن هذه الخدمات في العيادات الخاصة التي تقوم بها لها تكاليف باهظة لا تتحملها الأسر الفقيرة لذلك سوف تسعى إلي الإجهاض غير الآمن . 

قد تقترن جريمة الإجهاض البسيطة ببعض الظروف فتصبح جريمة الإجهاض موصوفة أما بتشديد العقوبة عليها أو بتخفيفها ، هذه الظروف المشددة هي توافر صفة معينة لدى الفاعل كصفة الطبيب او الممرضة ونحوهما أو استعمال وسيلة معينة كالضرب وما شابه ذلك ، أو ظروف مخففة كأن يكون الجنين ثمرة اتصال جنسي غير شرعي كالزنا او الاغتصاب او ان يكون الفاعل يحمل صفة القريب بالنسبة للمرأة المغتصبة.

الاجهاض في ضوء القانون

لا تثور مشكلة إذا اقترنت جريمة الإجهاض البسيطة بظرف مشدد أو مخفف أو اجتماع عذر قانوني مخفف مع عذر قانوني معفي كما لو كان حمل المرأة المغتصبة يتضمن بنفس الوقت خطراً يهدد حياة الأم أو صحتها تهديداً خطيراً فيكون الإجهاض ضرورة لإنقاذ المرأة المغتصبة الحامل من موت محقق أو وشيك الوقوع أو أن يكون الإجهاض ضرورة لتخليص المرأة الحامل من مشاكل صحية قد لا تتحمل تبعاتها فيثبت بتقرير طبي أن إجهاضها أمر لابد منه لشفائها. عندئذٍ يتحقق عذر أو ظرف مخفف متمثل بحمل المرأة سببه جريمة اغتصاب زائداً عذر معفي متمثل بالضرورة وهي انقاذ حياة الأم من الخطر ، ففي مثل هذه الواقعة يطبق العذر القانوني المعفي من العقاب فهذا النوع من الأعذار إذا ما تحقق لدى المحكمة عندئذٍ يمتنع من الحكم على الفاعل بأية عقوبة . ولكن إذا اجتمعت ظروف مشددة مع أعذار قانونية معفية أو مخففة سوية مع بعضها البعض كأن تكون المرأة المغتصبة طبيبة أو ممرضة وتقدم على إجهاض نفسها بنفسها، أو ان تستعين بأحد أقاربها وهو طبيب أو مضمد. ففي مثل هذه الحالة نأخذ بالعذر القانوني المخفف أو الظرف المخفف بحق المرأة المغتصبة التي أجهضت جنينها حتى وان كانت تحمل صفة طبيبة أو ممرضة وكذلك الحال لو كان قريبها الذي لجأت إليه لغرض إجهاضها يحمل صـفة الطبيب او المضمد لأن حكمة التشـديد في مثل هذه الحالة منتفية ، أضف الى ما تقدم أن العذر القانوني المخفف الخاص يتسم بصفة الإلزام فالقانون يلزم القاضي بالتخفيف عند تحقق العذر.

كما ان عبارة النص القانوني الذي تناول إجهاض المرأة المغتصبة يفسر بعضها بعضاً ، بمعنى أن القانون الجنائي الوضعي عندما قرر المشرع إيراد مثل هذا النص كان محكمة معينة وهي ان عله التخفيف مرتبطة بالتقاليد والأعراف والعادات التي تتسم بها مجتمعاتنا الشرقية وما للشرف من أثر ومكانة ووزن لدى أفراد مجتمعاتنا.

 إلا ان أثر هذا التخفيف لا يستفيد منه إلا من تعلق به فقط ، بمعنى أنه من الممكن أن تصاحب جريمة الإجهاض ظروف مخففة كون المرأة مغتصبة أو حملت سفاحاً وظروف مشددة كالاستعانة بطبيب أو ممرضة. ومن ثم فإذا اجتمعت الظروف المشددة والمخففة في شخص الفاعل فلا يصار الى تطبيق الظروف المشددة أولاً كما هو مقرر في القواعد العامة.

شروط إجهاض المرأة المغتصبة

لكي يحق للمرأة المغتصبة الحامل إجهاض نفسها ، فلابد من أن تتحقق جملة شروط مجتمعة ، وهي :      1- رضا وقبول المرأة المغتصبة الحامل بأن تجهض جنينها ومن ثم فيتعين ان يكون صادراً من امرأة مدركة لطبيعة فعل الإجهاض وان تكون إرادتها حرة وحقيقية غير خاضعة لأية ضغوط او إكراه او تدليس، علماً بأن التشريعات الجنائية التي نظمت إجهاض المرأة المغتصبة لم تحدد سناً معينة يعتد فيها برضا المرأة الحامل مكتفية بأن الأنثى التي تبلغ مبلغ المرأة يتحقق لديها الإدراك الكافي للأخذ برضاها، في حين أن بعض التشريعات الجنائية كالقانون الاردني والسوري والليبي لم يشترطوا لإجهاض المرأة المغتصبة الحامل تحقق رضاها ولاحترام رغبتها ، فالفاعل يستفيد من حكم تخفيف العقوبة سواء أكان الإجهاض برضا وقبول المرأة المغتصبة الحامل او بدون رضاها 

والسبب لأن الأصل ان الأركان العامة في جريمة الإجهاض البسيطة لا يعتد بها برضا المرأة الحامل ، لأن رضاها لا يعد سبباً لإجازة الإجهاض فالنصوص القانونية التي نظمت جريمة الإجهاض كانت تهدف الى حماية حق الجنين في الحياة وحقه في النمو الطبيعي ومن ثم فليس للأم التصرف بحق ليس لها سلطة التصرف فيه وهذا ما قررته محكمة النقض المصرية بقولها ان رضاء الحامل بالإسقاط لا يؤثر على قيام الجريمة ، ذلك ان للنفس البشرية حرمة ولا تستباح بالإباحة، ومن ثم فان ذهاب المجنى عليها برضاها الى المحكوم عليه الأول ليجري لها عملية الإسقاط ووفاتها بسبب ذلك لا ينفي خطأ المحكوم عليه المذكور ومن جهة أخرى ان المحافظة على الشرف واتقاء العار وستر الفضيحة لا يتوقف على رضا وقبول امرأة حملت سفاحاً.

2- أن تقوم المرأة المغتصبة بإسقاط جنينها بنفسها أو بواسطة الغير . هذا الشرط يتطلب ارتكاب جريمة الإجهاض بركنيها المادي والمعنوي وعناصر كل ركن وبغض النظر عن الوسيلة المستخدمة للإجهاض كتعاطي الأدوية او استخدام العنف والضرب وغيرها من بقية وسائل الإجهاض. وسواء أكان فعل الإسقاط إيجابياً بأن تقوم المرأة المغتصبة بإجهاض نفسها بنفسها أو سلبياً بتمكين الغير من إجهاضها

، وهذا ما قرره القانون السوداني ، إلا ان القانون العراقي حدد الغير بأحد أقارب المرأة المغتصبة حتى الدرجة الثانية أو الدرجة الثالثة وفقاً للقانون الأردني ، علماً بأن القرابة تقسم الى أربعة درجات ، فالدرجة الأولى تشمل أصول الرجل من النساء كالأم والجدة وان علت والدرجة الثانية تشمل فروع الرجل من النساء وهي البنت وبنت الابن وبنت البنت (الأحفاد والحفيدات) والدرجة الثالثة تشمل الأخوة والأخوات وبناتهن وان نزلن والدرجة الرابعة تشمل العمات والخالات، في حين ان القانون الليبي لم يحدد درجة معينة للقرابة بل المهم لديه ان يكون ذلك الشخص قريباً للمرأة المغتصبة الحامل وان كانت قرابته بعيدة.

كما لا يهم ان يكون الغير ذكر او أنثى بمعنى آخر ان الشخص الذي يساعد المرأة المغتصبة على إجهاض جنينها يمكن ان يكون احد أبويها او احد اشقائها او شقيقاتها وغيرهم اذ ليس من حكمه تتطلب التفرقة بينهما فكما يستفيد الأب الذي يقوم بإجهاض ابنته كذلك تستفيد ابنتها التي تتولى إجهاض والدتها. ولكن ذلك لا يمنع إجهاض هذه المرأة من غير هؤلاء الا انهم في مثل هذه الحالة لن يستفيدوا من العذر القانوني المخفف ، بل ان التخفيف سيشمل المرأة دون الشخص الذي قام بإجهاضها ومرد هذا ان للعذر طابعاً شخصياً يؤثر في صاحبه فقط وهذا ما أجمع عليه الفقه والقضاء.

ولغرض اعتبار الغير فاعلاً أصلياً ، فان ذلك يعتمد على نوع السلوكيات والتصرفات الصادرة عنه والمحددة وفقاً للقواعد العامة ، وأكثر من ذلك يلاحظ ان بعض القوانين الجنائية الوضعية قد ذهبت أبعد من ذلك ووسعت من نطاق فكرة الفاعل الأصلي في نطاق جريمة الإجهاض وعدت الغير الذي يدل المرأة الحامل على طرق الإجهاض فاعلاً أصلياً على الرغم من ان الدلالة على طرق الإجهاض لا تعدو ان تكون نوعاً من المساعدة التي تعتبر صورة من صور المساهمة الجنائية وهذا ما قرره القانون الجزائري والمصري والفرنسي لكن ذلك لا يعني بالضرورة ان كل من يساهم في الإجهاض برضا وقبول المرأة الحامل يعد فاعلاً أصلياً ، بل يعد مساهماً تبعياً متى ما خرجت مساهمته من نطاق فكرة الفاعل الأصلي.

3- يجب ان يكون الباعث الدافع على الإجهاض هو المحافظة على الشرف اتقاء للعار وستراً من الفضيحة ، ومن ثم فان كانت مثل هذه المرأة المغتصبة هي امرأة بغي او لا شرف لها أي ان سمعتها سيئة ولديها سوابق فلا يتحقق مثل هذا الشرط بالنسبة لها لأنها لا تعرف معنى العار والعيب ، لأن مفهوم العار ملازم لمفهوم الشرف وكلاهما يأتي من إحساس ذاتي فمن لا يعرف الشرف لا يعرف العار أي ان كلاهما وجهان لعملة واحدة. 

وان مفهوم الشرف في مجتمعاتنا العربية يدور وجوداً وعدماً مع سلوك الإنسان الجنسي كما انه يتضمن كل القيم النبيلة كالصدق والوفاء والإخلاص والنزاهة والأمانة ، ومن ثم فالمرأة الشريفة لابد أن تتحلى بكل هذه الصفات والخصال وهذا ما قرره القانون الأردني والعراقي والسوري واللبناني والليبي ، إلا ان القانون السوداني ومشروع قانون العقوبات الفلسطيني لم ينصا صراحة على وجود هذا الشرط باعتباره ضمنياً متحقق.

4- أن تكون هذه المرأة ضحية لارتكاب جريمة اغتصاب وكل اتصال جنسي لم ترض به المرأة رضاء صحيحاً كوقاع المرأة ناقصة الأهلية كالمختلة عقلياً والقاصرة والمخدرة أو التي أجري عليها تلقيح صناعي دون رضاها ، بمعنى انها تحمل صفة المجنى عليها ومن ثم فإذا لم تكن هذه المرأة الحامل مغتصبة بل ان الجنين الذي في بطنها سببه جريمة أخرى كأن تكون زنا او عدم وجود جريمة كالزواج ، فلا يحق لها إجهاض نفسها ، ومع ذلك فلم تشترط القوانين الجنائية الوضعية أن يكون الجنين ثمرة جريمة اغتصاب حصراً ، بل أن يكون الجنين ثمرة اتصال جنسي غير شرعي سواء أكان برضا المرأة أو بدون رضاها ويشمل ذلك الزنا أو أي فعل محرم آخر

 وهذا ما قرره القانون الأردني والعراقي والليبي والسوري واللبناني باستثناء القانون السوداني ومشروع قانون العقوبات الفلسطيني الذين اشترطا صراحة تحقق جريمة الاغتصاب حصراً دون سواها من بقية الجرائم الجنسية الأخرى لكي تتخلص المرأة المغتصبة من جنينها.

5- استكمالاً للشرط الرابع لابد من وجو قرار حكم مكتسب للدرجة القطعية صادر من محكمة جنائية مختصة يتضمن وقوع جريمة اغتصاب موضحاً فيه الجاني والمجني عليها وكافة ظروف ارتكاب الجريمة وان المرأة المغتصبة الحامل هي المجني عليها. ومن الناحية العملية قد يتأخر صدور قرار الحكم وتبعاً لذلك يتأخر اكتسابه الدرجة القطعية ، عليه فان ذلك لا يسقط الحق للمرأة المغتصبة بأن تجهض نفسها حتى ولو تأخر صدور قرار الحكم ، فمن الممكن لاحقاً بعد صدور قرار الحكم الاحتجاج به.

6- المدة الزمنية ، بمعنى ما هي الفترة الزمنية التي يحق فيها للمرأة المغتصبة ان تجهض نفسها خلال هذه المدة ؟ هل هي مطلقة أو مقيدة ؟ وهل له علاقة بفترة نفخ الروح ؟

(الضرب المفضي الى إجهاض)

قد تتعرض المرأة المغتصبة الحامل عمداً الى اعتداء عليها بضرب أو بأية وسيلة من وسائل العنف ، لا يقصد من هذا الضرب إجهاضها ، الا أنه نشأ عن هذا الضرب نتيجة مفادها أن أفضى الى إسقاط جنينها ، ففي مثل هذه الحالة لا تتحقق جريمة الإجهاض بل تتحقق جريمة أخرى كالضرب أو الجرح لأن القصد الجنائي في جريمة الإجهاض يقوم على عنصري العلم والإرادة ويجب ان يتوافر هذان العنصران لحظة الفعل ، فيجب ان يعلم المتهم ان من شأنه فعله إحداث الإجهاض ويتعين ان يتوقع وقت ارتكاب فعله حدوث النتيجة الجرمية وان تتجه إرادته الى ارتكاب فعل الإجهاض والى إحداث النتيجة وهي إنهاء حالة الحمل قبل الموعد الطبيعي للولادة وهذا ما هو منتفي لديه ومن ثم فان احكام جريمة الإجهاض لا تنطبق على مثل هذه الحالة وهذا ما قرره القانون العراقي والإماراتي والسوداني والليبي أما مسألة البحث عن القصد الاحتمالي في مثل هذه الحالة ، فيوجد رأيين في الفقه الجنائي :

الرأي الأول : يرى بأن القانون لا يعتد بالقصد الاحتمالي في الإجهاض بشكل عام ومن ثم فمن يعتدي على امرأة حامل بقصد إيلامها وإيذائها فقط ، الا انه يترتب على ذلك إجهاضها ، فلا يُسأل عن إجهاض لأن نية الفاعل لم تنصرف الى تحقيق الإجهاض ولم يتوقع الإجهاض ولم يرده تبعاً لذلك. وهذا هو الرأي السائد في الفقه الفرنسي والمصري.

الرأي الثاني : يرى بأن ما ذهب إليه الرأي الأول هو محل نظر ، لأنه في مثل هذه الحالة يجب ان نفرق بين فرضيتين ، تتمثل الفرضية الأولى بكون المتهم يجهل بأن المرأة المعتدى عليها حامل ولكنه أي المتهم لديه من القدرة والإمكانية على ان يعلم بحمل المرأة ، والفرضية الثانية تجعل من المتهم عالماً بحمل المرأة ولكنه لا يتوقع الإجهاض لكنه في استطاعته ذلك التوقع.

ومن ثم فالمتهم سواء في الفرضية الأولى او في الفرضية الثانية لا يسأل عن جريمة الإجهاض لأن القصد الجنائي لم يتوفر لديه ، فالقصد الجنائي يستلزم توقع النتيجة واتجاه الإرادة لها ، وكقاعدة عامة لا تنهض المسؤولية الجنائية العمدية عن نتيجة لم يتوقعها المتهم ولم تتجه إليها إرادته تبعاً لذلك. ولكن إذا توافر القصد الاحتمالي لدى المتهم عندئذٍ يسأل عن جريمة الإجهاض عندما يتوقع الفاعل نتيجة الإجهاض كأثر ممكن لفعله فأقدم عليه قابلاً المخاطرة بحدوثها.

هل يعتبر إتلاف البويضة الملقحة في حالة طفل الأنبوبة يعد إجهاضا ؟

نظرية التلقيح: يرى أنصار هذه الاتجاه أن حياة الجنين تبدأ بالإخصاب، فبمجـرد أن يتم التلقيح بين الحيوان المنوي والبويضة الأنثوية يتكون الجنين ويستحق الحمايـة ، دون حاجة إلى مدة زمنية لاحقة على عملية التلقيح، فالحمل هو البويضة الملقحـة أيـا كـان  عمرها إن من الواضح قانونا أن حياة الجنين تبدأ منذ تلقيح البويضة دون حاجة لمضي مدة معينة من النمو، فالجنين يستحق الحماية ولو كان بويضة ملقحة في ساعتها الأولى وهو الـرأي الذي يأخذ به الكثير من فقهاء القانون حفاظا على سلامة الجنين ونموه.

 ان من البديهي أن الحرمة تكون على النطفة الملقحة باعتبارها مزيج من الحيوان المنوي الذكري والبويضة الأنثوية، وأنها مبدأ النشأة وتكوين جميع البشرية، وقـد أثبـت العلـم الحديث أن هذه البويضة الملقحة سواء أكانت داخل الرحم أم خارجه فهي مادة بيولوجيـة تجمع في ذاتها المكونات الوراثية الضرورية والكافية للإنسان وبذلك تحمل الخصـائص الأساسية للإنسان. 

لذلك فإن مناط الحماية الجنائية للجنين ليس في المكان الذي يكون فيه، بل الحماية منوطة بذات الجنين، ومن ثم ينعم الجنين بالحماية الجنائية ولو كان خارج الرحم، وذلـك خـلال فترة عملية الإخصاب الاصطناعي الخارجي، وأن النصوص التشريعية الموجودة حاليـاً في قانون العقوبات المصري تفترض وقوع الاعتداء على الجنين وهو موجود داخل رحم الأم، الأمر الذي يجعل الجنين المخصص بخارج رحم الأم خارج الحماية الجنائية، كمـا لا يمكن أن يعتبر الاعتداء على الجنين خارج الرحم جريمة جديدة في ظـل غيـاب نـص تجريمي في التشريع الجنائي لاصطدام ذلك بالمبدأ الدستوري في جميـع الـدول الـذي (يقتضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، ومعظم التشريعات الجنائية لم توافر للجنين خارج الرحم الحماية الجنائية اللازمة لإماطة الأذى عنه، وربما يعود ذلك إلى أن الجنين خارج الرحم ظاهرة مازالت من الموضوعات الجديدة التي يختلف فيها الـرأي وتثـور  حولها تساؤلات عديدة، ومهما كان فإنه من غير العدالة أن يترك أطفال الأنابيـب بـدون حماية قانونية من أي اعتداء يقع عليها بالإتلاف، لأنها أصلا هي أجنة بشرية، ولأن إعادة زراعتها في الرحم سيؤدي إلى ولادة إنسان آدمي يتمتع بالحماية القانونية

لذلك فإن الحاجة تدعو إلى تدخل المشرع لتجريم الاعتداء على اللقائح المخصبة خـارج الرحم لحرمتها وتزايد حجم اللجوء إلى هذا النوع من التلقيح كوسيلة طبية وعلاجية فاعلة في معالجة أمراض القصور في خصوبة الزوجين أو أحدهما، مما يطرح قضايا قانونيـة عديدة تتعلق بمدى إباحة هذه الأعمال الطبية الحديثة.

بناء علية

في البداية نود آن نفرق بين المصلحة محل الحماية القانونية في جرائم القتل عنها في جرائم الإجهاض ، فالمصلحة محل الحماية القانونية في جرائم القتل تتمثل في "الحياة " و ان الحياة التي تخضع لحماية النصوص بالقتل تبدا بلحظة "الميلاد" ، اما الحياة التي تسبق هذه المرحلة فلا تحميها نصوص القانون الخاصة بالقتل ، و إنما تحميها تلك النصوص الخاصة بالإجهاض " إسقاط الحوامل "

فالإجهاض آذن عدوان على مصلحة الحياة قبل الميلاد . أي عدوان على بقاء الجنين مستكنا في الرحم ، و قطع الصلة بينه وبين جسم أمه و ذلك بإخراجه من الرحم قبل الموعد الطبيعي لولادته(1)

و لقد خص الشارع هذه المصلحة بالحماية في المواد من 260 آلي 264 من قانون العقوبات ، ونوع العقوبات المقررة لهذه الجرائم آخذا بمعيارين : الأول يتعلق ( بوسيلة الإجهاض) ، و الثاني راجع آلي صفة الجاني .

-------------

(1) د. جلال ثروت ( نظم القسم الخاص)ج3 جرائم الإجهاض ص7

غايتنا تكوين معلومة دقيقة ، تليق بان تكون محل بحث علمي ، و ليس مجرد كلام مرسل قد يقترب من الحقيقة و قد يبتعد عنها . و مرجع الصعوبة لتحقيق ذلك هو أن مصر تنتمي لمجموعة الدول التي تحرم الإجهاض ، و تتعامل مع مرتكبيه بشدة من خلال النصوص . و لكن الواقع شيء آخر ، إذ لا يوجد في نصوص القوانين ، نص واحد ، يبيح الإجهاض ، حتى الحالة التي درجت عليها غالبية التشريعات الحديثة على إباحة الإجهاض ، حال توافرها ، و هي السماح بالإجهاض عند تعرض حياة الأم أو صحتها البدنية ، و النفسية للخطر ، لا يوجد لها نص صريح و أنها اتفق الفقه ، و استقر على إجازة الإجهاض ، إذا كان الحمل يتضمن خطرا يتهدد الأم في حياتها ، أو صحتها تهديدا جسيما . و كان الإسقاط هو الطريقة الوحيدة لدفع هذا الخطر و لم يكن للجاني دخل في حلوله . فهنا تمتنع مسئولية الفاعل طبقا للمبادئ العامة و لتوافر حالة الضرورة ،

 كما تتطلبها المادة 61 عقوبات و بالرغم من ذلك فان الدراسات و الأبحاث التي تناولت موضوع الإجهاض جميعا – و بلا استثناء – تؤكد لنا أن الإجهاض منتشر في مصر . كما هو منتشر بذات الدرجة في بلاد العالم . و أن السيدات يذهبن إلى العيادات السرية ، حيث يقوم طبيب متخصص ، أو غير متخصص ، بإجراء العملية . و غالبا ما يكون ذلك بدون تخدير ، أو مراعاة للاشتراطات الصحية الواجب توافرها عند إجراء تلك العمليات .(1)

----------------

(1) د. مصطفى عبد الفتاح ( جريمة الإجهاض) رسالة .. ص129 

و يشير د. ماهر مهران (1) إلى أن كثيرا من تلك العمليات يترتب عليها مضاعفات خطيرة. فإذا ما عادت المرأة إلى الطبيب تنكر لها ، فهو يعلم انه أمام متاعب ما بعد إتمام الجريمة . و هنا نجد المرأة نفسها و قد وقفت وحيدة تواجه خطر الموت .

و قد تلجا المرأة لإسقاط حملها إلى استعمال وسائل عنيفة على جسدها ، كالقفز من فوق سرير مرتفع ، أو الضغط على بطنها بأوزان ثقيلة ، أو تقوم بإدخال أجسام غريبة داخل الرحم ، مثل ابره التريكو ، أو عود الملوخية . و مضاعفات ذلك التهابات عنيفة بالرحم و أخطار تصل إلى حد الموت . وقد تلجا المرأة الحامل إلى الداية ، أو إحدى الممرضات اللاتي غالبا ما يستخدمن ما يسمى بالقسطرة ، مع ما في ذلك من خطر أكيد .

و من هذا العرض يتبين لنا أن الكثير من حالات الإجهاض تتم في جو من السرية ، و بعيدا عن السجلات و التدوين . الأمر الذي يترتب عليه صعوبة وضع إحصاءات دقيقة ، و أن وضعت ، فهي إلى حد كبير لا تعبر عن الحقيقة كاملة . (2)

---------------

(1) أستاذ و رئيس قسم أمراض النساء و الولادة " طب عين شمس "

(2) د . مصطفى عبد الفتاح – المرجع السابق – ص130

فالحقيقة- كما يقرر كثير من الأطباء العاملين في حقل أمراض النساء و الولادة – أنها اكثر بشاعة مما تشير إليه الأرقام الواردة في الإحصائيات المتداولة .

فلقد استطاع الأطباء بحكم عملهم أن يقتربوا من المشكلة . و يتعرفوا على أبعادها و من خلال الأسئلة الخاصة الموجهة لمن يترددن على أقسام الولادة بالمستشفيات العامة ، و سؤالهم عن عدد مرات الحمل ، و عدد مرات الإنجاب سواء عاش الطفل أو توفي ، فانه ومن خلال تجميع تلك المعلومات . يمكن وضع تقدير مبدئي لحالات الإجهاض التلقائي و المتعمد . 

و من تلك التقديرات ما قام به د. صلاح كريم . أستاذ أمراض النساء و الولادة بكلية الطب – جامعة القاهرة . حيث أشار في بحث له آن ثلث الحالات التي تدخل قسم الولادة هي حالات إجهاض أكثرها إجهاض متعمد 

و من بحث أجراه د. صادق فوده (1) على عينات من الريف و الحضر المترددات على العيادات الخاصة و المستشفيات ، تبين له أن حوالي 20% من حالات الحمل في مصر تنتهي بالإجهاض، كما

-------------------

(1) أستاذ نساء و ولادة بكلية الطب – جامعة القاهرة . 

أوضحت النتائج – في هذه الدراسة – أن متوسط عدد حالات الإجهاض المتعمد إلى عدد الأطفال المولودين تكاد تكو ن 20:1 ، و بالنسبة لعينة المترددات على المستشفى و كذلك العينة التي تسكن الحضر ، و تشمل النتائج 75:1 في عينة الريف ، 30:1 في عينة المترددات على عيادات خاصة في المدن ، و يعني ذلك أن 18% من المترددات على العيادات الخاصة اجرين إجهاضا عمديا(!)

و الواقع أن موضوع الإجهاض يعد من أحد الموضوعات الحيوية و الهامة التي تمس كيان المجتمع بأسره ، و لذا فقد تناولته أقلام الأطباء و المفكرين و رجال الدين من خلال تعرضهم لموضوع تحديد النسل ، فنظر كل منهم إلى الإجهاض من ناحية تخصصه ثم أدلى برأيه . فبحثه الأطباء على هدي فرص النجاح في تنفيذه لو قدر و اخذ برأي من يقول بتحديد النسل بطريقة الإجهاض ، و هم يروون أن عملية الإجهاض تعرض حياة الأنثى لخطر إزهاق الروح ، حتى ولو كان من يقوم بها على علم كاف بالتشريح الخاص بالأعضاء التناسلية و قد توفرت لديه كل المعدات اللازمة ، لان تحمل الأنثى لهذه العملية يتوقف على مالها من قدرة صحية و جسمانية ، الأمر الذي يوجب الاحتياط لحياتها 

و لعدم إتلاف أعضائها التناسلية ذلك بعدم مباشرة الإجهاض إلا في حالة الضرورة القصوى(1) كما عني المفكرون بموضوع الإجهاض من حيث كونه دراسة لظاهرة اجتماعية تستأهل البحث ، إذ فيما ينتهي إليه الرأي اكبر الأثر في تكوين الجماعة .

أما رجال الدين فقد وضعوا الإجهاض تحت مقياس التحريم و التحليل و درسوا مختلف الفروض التي تعرض بشأنه . (2) 

و لما كان لا يوجد تشريع يقر عدم العقاب على الإجهاض مطلقا ، فقد حق لرجال الفقه الجنائي بدورهم أن يجعلوه موضعا لبحثهم ، إذ فيما ينتهي إليه الرأي – من حيث إجازته أو تجريمه – اكبر الأثر فيما قد يحدث من تغييرات في نظرة المشرع الجنائي للإجهاض بمختلف البلاد . 

-----------------

(1) د. محمد احمد سليمان " أصول الطب الشرعي و علم السموم " ط2 ، ص262 .

(2) أ.د. محمد سلام مدكور،نظرة الإسلام إلى تنظيم الأسرة ص87 

المصدر المصريون

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق