صبري موسى لا يزيل الالتباس عن «فساد الأمكنة» (2-2)

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

من المحتمل أن يكون صبرى موسى قد أراد بتقديمه روايته "فساد الأمكنة" أن يعرف القارئ، ويكشف للنقاد والباحثين منهجه فى الكتابة الروائية: تولد الفكرة فجأة، وتترسخ، فتحتاج إلى معايشة تفصيلية، ثم استيعاب، حتى تأتى الكتابة وتكتمل.

منذ نشرها كانت "فساد الأمكنة" موضوعا للبحث والتساؤل، الدكتور على شلش، كتب فور صدورها: "كل شيء (فى الرواية) قابل للرؤية من عدة وجوه، وكل شيء مطلق ونسبى فى وقت واحد.."، وتواصل وتعاظم التعاطى النقدى مع الرواية، لكنها ظلت مفتوحة على تأويلات وقراءات متعددة، فهى تملك وشائج بعوالم روائية مشهورة، رأى بعض النقاد أن بعض أجوائها قريبة من رواية "موبى ديك"  لـ"هرمان ملفل"، ورأى آخرون أن "نيكولا" يُذكّر بـ"زوربا" لـ"نيكوس كازنتزاكى"، لكن أحدا لم يتحدث عن تأثر أو تناص أو استلهام، الرواية فذة وفريدة وبها كثافة تنفتح على مثل هذه القراءات.

وقد أجاب صبرى موسى مرات كثيرة على أسئلة منشغلة بالبحث فى مصادر ودلالات ومعانى الرواية، حكى تفصيليا عن تجربته مع الصحراء: «كنت أتعامل معها من عدة زوايا الأولى كصحافي، والثانية كأديب وروائي، وقد قدمت على المستوى الصحافي عدة تحقيقات صحافية مسلسلة على مدى 36 أسبوعا في مجلة "صباح الخير" عن مشاكل التعدين في تلك الجبال وأوضاع القبائل وحرمانهم من التعليم والرعاية الصحية والغذاء الصحي والمياه النظيفة، وقد قمت بدوري الصحافي وواجبي المهني في تلك التحقيقات على أكمل وجه، حيث أدت إلى لفت انتباه المسؤولين لتلك المشكلات، والإسراع بوضع حلول لها، وقد بقي لدى الأديب في داخلي العديد من الصور والمواقف والشخصيات الدرامية التي كانت تحتاج بالفعل لعمل روائي.. التحقيقات الصحافية طبعت في كتاب سميته "في الصحراء من أدب الرحلات" وبقيت الرواية خيالات ورؤى وكوابيس تراودني أثناء النوم بحثا عن شكل يحتويها وأسلوب يتم سردها به، وقد استمر ذلك الهاجس حتى توصلت إلى فكرة كتابتها بالرسم، بعد أن أدركت أن عين الرسام القديم في داخلي كانت الدافع الأكبر في اختزان معظم الصور، وقد قادني الرسم بعد ذلك إلى الشعر، ثم توصلت في النهاية إلى لغة "فساد الأمكنة" وهي لغة قديمة جديدة في آن، في تلك اللحظة بدأت كتابة الرواية».

اعتبر علاء خالد أن: "الصحراء هى النقيض الجغرافى بالنسبة لصبرى موسى، بوصفه مواطنا ولد وعاش فى مناخ مائى متاخم لبحيرة المنزلة أضخم البحيرات المصرية، بكل ما فى هذه المناخ المائى من جماعية وترابط وأفكار سابقة. أصبحت الصحراء هى الآخر الذى عاش يحلم به ويبنى هواجسه ومخاوفه وأحلامه حوله"، وعن اللغة فى الرواية يخبرنا -خالد- أنه سأل صبرى موسى فأجابه: "إن اللغة التى استخدمها فى الرواية هى لغة المتدينين الأوائل، لغة التأمل والغوص فى عمق الأشياء والنفوس. قريبة من الحس الصوفى الناتج عن التأمل والاستبطان لهذا العالم الجديد، الذى يصيب الإنسان بحالة من التجرد والزهد".

وردا على سؤال آخر عن اللغة اعتبر صبرى موسى أن "الواقع الغرائبي الذي يعيشه أبطالها (الرواية) في جبل الدرهيب العجيب" اقتضى أن "تبدو اللغة شاعرية وغرائبية لأنها تصف واقعًا ساحرًا ومدهشًا".

تتعدد الزوايا التى يمكن من خلالها عرض وتناول "فساد الأمكنة"، فبالإضافة إلى موضوع جماليات المكان، وكيفية التعامل مع اللغة المناسبة لها، هناك موضوع الحس الفنى التصويرى السينمائى المبثوث بمهارة فى كل تفاصيل الرواية، وهناك ذلك المزيج من التسجيلية، والرؤية الأسطورية، والنفس الأنثربولوجي، وهناك طبعا فرادة كل الشخصيات، وإن كان التركيز سينصب على "نيكولا"-الرجل المأساوي بحق- المهاجر الروسى -القوقازى الملتحق- وهو فى العاشرة من عمره- فيما يشبه الفرار من التحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى التى شهدتها روسيا، إثر الثورة الاشتراكية -1917- بأبيه طبيب الأسنان فى إستانبول التى يتركها حين شب وكبر إلى جنوب إيطاليا، حيث التقى بامرأة يدعوها الراوى إيليا الكبرى.. أحبها وتزوجها وأولدها إيليا الصغرى تيمنا بالكبرى وتكرارا لها على حد قوله. ولأنه مأساوى مغامر بعواطفه وأفكاره فقد نزح مرة أخرى بصحبة مهندس مناجم إيطالى حيث استقر هذه المرة بمصر، أو الدرهيب هذا على وجه التحديد، حيث يبدأ اللقاء بين هذا الاستثنائى بشخصيات وطبيعة استثنائية، فى فضائها تجرى أحداث مأساوية: زنا، واغتصاب، وطفل تنجبه "إيليا الصغرى" فيسرقه نيكولا ويلقيه طعاما للضباع، ويختبئ فى أحد الأنفاق المهجورة فى المنجم، وهو فى حالة فظيعة من الانهيار النفسى والجسدى الشاملين، وأثناء بحث ابنته عنه فى الأنفاق، ينهار عليها أحد الأنفاق وتبقى هناك مدفونة إلى الأبد، ويبقى نيكولا بعدئذ أسير الدرهيب وصحرائه إلى الأبد.

هذا مشهد تتجمع فيه أغلب العناصر التي تميز الرواية التى وتجعل منها فذة بشكل نموذجى فى مسار الرواية العربية: "وهكذا فى ذلك الصباح المبكر على أعتاب الجبل الذى يحتوى تلك المغارة التى تضم الصخرة التى كانت فى القديم كوكا لوانكا، وقف ذلك الحفيد ايسا وأخرج من صدره سبيكة الذهب فأقامها على صخرة.. ووقف مع رفاقه حولها وكأنهم يشهدون جدهم كوكا على ما فعلوه.. مؤكدين له أن أحفاده ما زالوا يملكون السلطان على الصحراء وجبالها. هكذا يفعل الجميع من البشاريين والعبابدة وبقية فصائل البجاة.. كلما ألمَّ بهم أمر وأعياهم، حملوا همومهم وأفعالهم إلى الجبل الشامخ فى السماء، يحوطه الضباب بغلالة بيضاء لا تستطيع أن تخفى الخضرة الزاهية النابتة على قممه الصامدة. لقد ظلوا أمناء على العهد منذ حط جدهم الأكبر الرحال تحت أقدام جبل علبة الاشم، فأصبح الجبل كعبتهم.. ينحدرون إلى الشمال ويصعدون إلى الجنوب، ويذهبون إلى الغرب، ويستقبلون الهجرات المتتابعة عبر البحر على مر الزمان قادمة من الشرق. فتؤثر فيهم وتدفعهم أمامها، لكنهم يعودون دائما إلى علبة. يقولون إن الله عندما خلق آدم مثل له الدنيا بقعة ليراها، فلما رأى مصر رأى جبل علبة مكسوا بالنور. وكان جبلا أبيض. فناداه بالجبل المرحوم.. ودعا لأرضه بالخصب والبركة. أيداخلهم الشك فى أن آدم القديم هذا ليس سوى جدهم الأكبر كوكا لوانكا؟!".

المصدر التحرير الإخبـاري

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق