المارد والسلحفاة والانفجار العظيم.. إجابة هوكينج عن مصير الكون

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ملخص

قد تكون تفاصيل حياة ذلك العالم الذى غيَّبه الموت قبل أيام قليلة عائقًا يمنع قارئ كتبه من التعامل مع ما يطرحه بصورة موضوعية، دون شعور بالغرابة أو التعاطف أو الاندهاش أو عدم التصديق المطلق، الحلقة الثانية من استعراض كتاب "تاريخ موجز للزمان من الانفجار الكبير حتى الثقوب السوداء".

فى تقديمه لكتابه: "تاريخ موجز للزمان من الانفجار الكبير حتى الثقوب السوداء"، يذكر ستيفن هوكينج أن: "ثمة عدد له قدره من الكتب عن الكون فى عهده المبكر وعن الثقوب السوداء، وهى كتب تتراوح بين الجيد جدا مثل كتاب ستيفن وينبرج "الدقائق الثلاث الأولى"، والسيئ جدا الذى لن أحدده".

ستيفن وينبرج، حائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1979، ويلفت فى تقديمه لكتابه "الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون"- ترجمة وائل الأتاسى، وزارة الثقافة، دمشق، 1986- إلى أن: "الكتاب (ولد) من محاضرات قدمت فى (يناير) عام 1973 لتدشين المركز العلمى للطلاب غير المتخرجين فى جامعة هارفارد،... لا أستطيع أن أطرد من ذهنى فكرة كتاب عن بداية الكون، إذ ما الشيء الأكثر استهواء للنفس من مشكلة "التكوين"؟ ففى بداية الكون، لا سيما أول جزء من مئة من الثانية الأولى تمت الرابطة بين نظرية الجسيمات الأولية وبين الكوسمولوجية".

هناك تشابه "منهجى" بين الكتابين، ربما كان السبب هو الموضوع، فالبحث الكوسمولوجى تمتد جذوره إلى العصور القديمة بمعالجاتها الفلسفية والدينية والميثولوجية الغيبية (ميتافيزيقية) لموضوع أصل الكون، وهو كعلم يدرس أصل ونشأة وتاريخ ومحتويات وتطور الكون، ودراسة البنية الواسعة للفضاء، بكل ما فيه من مادة وطاقة، سيظل متماسا مع الأساطير والعقائد.

نجد هذا التشابه فى مقدمة وينبرج، وفى خاتمة هوكينج، فى المقدمة نعرف حكاية "المارد والبقرة"؛ حيث نعثر فى الأساطير النرويجية التى جمعها حوالى العام 1220 القائد الإيسلندى س. ستورليزون، على تفسير لنشأة الكون: "فى البدء، لم يكن يوجد شيء، لا أرض ولا سماء فوقها، بل هاوية فاغرة... ولا وجود لعشب فى أى مكان": فى شمال العدم وجنوبه، تمتد مناطق من الجليد والنار: نيفلهيم وموسبيلهيم. وحرارة الموسبيلهيم، تذيب قليلا من جليد النيفلهيم. ومن قطرات السائل، ولد مارد هو إيمير. ترى ماذا كان يأكل؟ يبدو أنه كان ثمة بقرة، أدهولما. ولكن ما الذى كانت تأكله هذه البقرة؟ لا بأس، لا بد أنه كان ثمة ملح أيضا، وهكذا تتابع الأسطورة".

ويستطرد وينبرج: "ليس فى نيتى أن أسيء إلى أى إيمان دينى -حتى ولو كان إيمان الفايكينج- ولكن، أظن أنى على حق حين أقول إن هذا الوصف لنشأة الكون ليس مرضيا. فحتى لو تركنا جانبا الاعتراضات التى تستدعيها أدلة "قال عن قيل"، فإن هذه القصة تثير من المشاكل بقدر ما تحل، وكل رد على اعتراض، سيجرنا إلى تعقيد جديد فى الظروف الابتدائية".

وإذ يلفت إلى أن "الأسطورة" يجب ألا تبعث على الابتسام، وألا تدعنا نهمل كل تأمل كوسمولوجى، فالرغبة فى إعادة رسم تاريخ الكون منذ نشأته، هى رغبة ملحة لا يمكن دفعها، يلاحظ أنه "ومنذ ولد العلم الحديث فى القرنين السادس عشر والسابع عشر، ما انفك الفيزيائيون والفلكيون يقلبون مسألة أصل الكون على كل جوانبها. إلا أن هذه الأبحاث كانت لها دائما سمعة سيئة إلى حد ما. وأذكر أن دراسة أصل الكون فى الفترة التى كنت فيها طالبا، وعندما بدأت أبحاثى الخاصة (حول أمور أخرى) فى الخمسينيات، كانت تعد بوجه عام نوعا من الأمور التى لا يصح لعالم محترم أن يضيع وقته فيها. وهذا حكم لا يفتقر مع ذلك إلى أساس. ففى الجزء الأكبر من تاريخ الفلك والفيزياء، لم يكن هناك، وبكل بساطة، ما يكفى من المشاهدات ولا من الأسس النظرية، لوضع تاريخ لنشوء الكون".

ولكن الأمور تغيرت فى السنوات العشر الأخيرة، إذ إن نظرية عن أصل الكون شاعت جدا، حتى إن الفلكيين يدعونها غالبا "النموذج القياسى". وهذه النظرية، هى تقريبا النظرية المسماة "الانفجار العظيم"، ولكنها فاقتها بالحبكة والوصف الأكثر دقة حول محتوى الكون.

قبل أن نعرف ما الانفجار العظيم كما يعرضه وينبرج، نطالع خاتمة هوكينج لنعرف إلى أى مدى هذا التشابه المنهجى له علاقة بطبيعة الموضوع قبل أن يكون تأثرا من هوكينج بأسلوب وينبرج الذى سبقه فى نشر الكتاب بنحو عشر سنوات، إذ صدرت الطبعة الأولى فى عام 1976، بينما كتاب هوكينج صدر بعده بعشر سنوات كاملة، خاتمة الكتب تبدو كأنها مقدمة، تمهيد، أو مع تفكير أبعد كأنها مقدمة لكتاب آخر، هكذا نقرأ: "إننا نجد أنفسنا فى عالم محير، ونحن نريد أن نجعل مما نراه حولنا شيئا معقولا ونسأل: ما طبيعة الكون؟ وما هو مكاننا فيه ومن أين أتى هو وإيانا؟ لماذا يكون كما هو عليه؟".

ويحاول الإجابة: "إننا نتخذ "صورة ما للعالم". وكما أن برجا لا متناهيا من السلاحف التى تسند الأرض المسطحة هو إحدى صور العالم هذه، فإن نظرية الأوتار الفائقة هى مثل ذلك تماما. فكلاهما نظرية عن الكون، وإن كانت الأخيرة رياضية ودقيقة بدرجة أكبر كثيرا من الأولى. وكلتا النظريتين ينقصهما دليل من المشاهدة: فلم ير أحد قط سلحفاة ضخمة والأرض على ظهرها، ومع ذلك فإن أحدا لم ير أيضا وترا فائقا. على أن نظرية السلحفاة تفشل فى أن تكون نظرية علمية جيدة لأنها تتنبأ بأن الناس ينبغى لهم أن يقعوا من على حرف العالم. وهذا أمر لم يجد أحد أنه يتفق مع الخبرة، إلا إذا ثبت فى النهاية أن هذا تفسير أمر الأفراد الذين يفترض أنهم قد اختفوا فى مثلث برمودا!

وأقدم المحاولات النظرية لتوصيف وتفسير الكون كانت تتضمن فكرة أن الأحداث هى ظواهر طبيعية تحكمها أرواح ذات عواطف بشرية تتصرف على نحو مشابه جدا للبشر، ولا يمكن التنبؤ به. وكانت هذه الأرواح تسكن فى الأشياء الطبيعية، مثل الأنهار والجبال، بما فى ذلك الأجرام السماوية مثل الشمس والقمر. وكان ينبغى استرضاؤها واستجلاب عطفها لضمان خصوبة التربة ودوران الفصول. على أنه تدريجيا، تمت -بالضرورة- ملاحظة أن ثمة أوجه انتظام معينة: فالشمس دائما تبزغ من الشرق وتأفل فى الغرب، سواء قدمت الضحية لإله الشمس أم لم تقدم. وفوق ذلك، فإن الشمس والقمر والكواكب تتبع مسارات محددة عبر السماء يمكن التنبؤ بها مقدما بدقة لها اعتبارها. وربما ظلت الشمس والقمر كآلهة، ولكنها آلهة تخضع لقوانين صارمة، من الواضح أنها ليس لها أى استثناءات، إذا أسقط المرء من حسابه الحكايات من مثل الشمس التى توقفت ليوشع".

نختم بالعودة إلى النموذج القياسى والانفجار العظيم كما يقدمه وينبرج فى مقدمته: "فى البدء، حدث انفجار، ولكنه ليس انفجارا كالذى يمكن أن نشاهده على الأرض، (فهذا الانفجار ينطلق من مركز معين ويمتد حتى يشمل حجما متزايدا من الهواء المحيط به)، وإنما هو انفجار حدث فى كل مكان وفى آن واحد، فملأ الفضاء كله منذ البدء، وهرب كل جسيم عن كل ما عداه. وقولنا هنا "الفضاء كله" يمكن أن يعنى كل فضاء كون لا منته، مثلما يعنى كل فضاء كون منته، أى منحن من منغلق على نفسه كسطح الكرة. حقا، لن يسهل علينا تصور الإمكانية الأولى، ولا الثانية، غير أن هذه الصعوبة لن تمنعنا من المتابعة. وكون الفضاء منتهيا أو غير منته أمر لا أهمية له من الناحية العلمية عند بدء الكون.

بعد نحو جزء من مئة من الثانية -وهى أقدم لحظة يمكن أن نتحدث عنها بشيء من الاطمئنان والثقة- هبطت درجة حرارة الكون إلى ما يقرب من مئة مليار درجة مئوية. وهذه أسخن من مركز أكثر النجوم حرارة، لا بل إنها حارة إلى حد أن كل مكونات المادة العادية: الجزيئات، الذرات، وحتى النوى الذرية، لا يمكن أن تحتفظ بتماسكها".

المصدر التحرير الإخبـاري

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق