مجزرة صبرا وشاتيلا.. غدر إسرائيلي وخيانة في جنوب لبنان

التحرير الإخبـاري 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ
ارسال بياناتك
اضف تعليق

«لقد ذبحونا وقتلونا واغتصبوا البنات».. هكذا كان صوت الصرخات التي هزت أرجاء صبرا وشاتيلا، يوم 16 سبتمبر عام 1982، مناجاة مكتومة من شدة الألم المشبع بالوجع والذهول من هول المشهد، كأنهم أرادوا أن يلفتوا صمت العالم: "نحن هنا"، الدماء أغرقت سمار الأرض. 

مجزرة عمياء مدبرة لم تفرق بين رجل أو امرأة، طفل أو عجوز، كانت عملية منظمة لإذلال وكسر كرامة الفلسطينيين بل والعرب، قبل أن تكون عملية إبادة جماعية لمدنيين عزل، استمرت 3 أيام متواصلة، وما زاد من إيلامها الغدر والخسة من بني جلدتك، إذ شارك جيش الاحتلال الإسرائيلي في هذه المذبحة مجموعات انعزالية لبنانية، متمثلة في حزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي.

"صبرا" لم يكن المخيم الرسمي للفلسطينيين، لكن كانت تسكنه نسبة كبيرة منهم، فهذا الحي التابع لمحافظة جبل اللبنانية تحده مدينة بيروت من الشمال، والمدينة الرياضية من الغرب، ومدافن الشهداء وقصقص من الشرق، ومن الجنوب مخيم "شاتيلا" الدائم للاجئين الفلسطينيين، أسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين "الأونروا" عام 1949 بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفقوا إليه من قرى أمكا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين بعد عام 1948. 

ذكرى ملطخة بالدماء

بداية المذبحة كانت بقرار أصدره آرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي فى حكومة مناحيم بيجن، ورافايل إيتان رئيس أركان الحرب الإسرائيلي -آنذاك-. 

وفي تمام الخامسة مساء يوم 16 سبتمبر، دبت أقدام الغدر، بعدما دخلت ثلاث فرق إلى المخيم، عتاد كل فرقة منها خمسين قاتلًا ومغتصبًا من قوات الاحتلال الإسرائيلية، وصارت تذبح وتقتل المدنيين العزل دون رحمة أو هوادة، بحجة وجود فلسطينيين مسلحين.

الرعب يسيطر على المخيم، العدوان يشتد شراسة وبشاعة، الإنسانية فقدت أسمى معاني الرحمة، دماء الفسطينيين واللبنانيين في المخيمين "صبرا وشاتيلا" اختلطت في معركة دموية من طرف واحد، أطفال لم تتخطَّ أعمارهم الثلاث والأربع سنوات، نساء اغتُصبن قبل قتلهن، حوامل بُقرت بطونهن، ورجال وشيوخ ذُبحوا وقُتلوا بالرصاص.

لا مفر، الهارب مقتول والقابع فى جنبات المخيم مهان ثم مقتول، آباء ماتوا عجزًا وهم يرون بناتهم وزوجاتهم يغتصَبن أمام أعينهم، وأمهات من حسرتهن على أبنائهن وأزواجهن لفظن أنفاسهن المصروعة من شدة الألم، الناجي مغتصب مذلول، أو حي ميت بلا أهل أو سند، فقط ذكرى الألم والعجز عن إنقاذ أقرب الناس إليهم وفلذات أكبادهم، وهول موتهم ثابت في ذاكرتهم طوال الوقت يقتلهم، ولا دافع للحياة لديهم سوى الانتقام. 

يومان من الذبح والقهر المتواصلين، المخيمان سماؤهما مغيمة ومرعدة بنيران القنابل المضيئة، آليات الجيش الإسرائيلي تحاصر كل مخارج المخيم، فلا نجاة ولا نجدة، ميليشيات حزب الكتائب والجيش الجنوبي الانفصاليين اللبنانيين تذبح أشقاء العروبة والدم بالأسلحة البيضاء والنارية بالمشاركة مع قوات شارون وتحت تأمينهم، بينما ظل الصحفيون ووكالات الأنباء كاميراتهم محجوزة خارج المخيم، لم يسمح لهم بالدخول إلا بعد مرور 48 ساعة، ليفاجؤوا بواحدة من أبشع الجرائم وأكثرها دموية في التاريخ الإنساني. الخراب والدمار يعم المكان، الجثث متناثرة الأشلاء، وأجساد مذبوحة بلا رؤوس، ورؤوس بلا أعين.

رؤوس الشهداء.. وقائع مرصودة وتهوين إسرائيلي

شاهد أيضا

اختلفت التقديرات والأرقام حول الشهداء الذين سقطوا جراء المجزرة الأبشع في تاريخ النضال الفلسطيني ضد المحتل الصهيوني الغاشم، والتي لم تكن الأولى أو الأخيرة، فالأعداد تتراوح ما بين 3500 و5000 شهيد من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين العزل، أغلبيتهم من الفلسطينيين ومن بينهم لبنانيون أيضًا. 

بينما شكلت إسرائيل لجنة للتحقيق برئاسة إسحاق كاهان، أعلنت في البداية أن الأعداد تشير إلى 460 جثة في موقع المذبحة، قبل أن تذكر في تقريرها النهائي أن العدد يشير إلى ما بين 700 أو 800 قتيل، موضحةً أنها استنتجت ذلك من مصادر لبنانية وإسرائيلية.

ومن جهة أخرى، أفاد الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك، أن أحد ضباط الميليشيا المارونية، دون أن يذكر اسمه، أكد له أن أفراد الميليشيا قتلوا 2000 فلسطيني، بينما قال الصحفي الإسرائيلي الفرنسي أمنون كابليوك، في كتاب نشر عن المذبحة، أن الصليب الأحمر جمع 3000 جثة، بينما جمع أفراد الميليشيا 2000 جثة إضافية، مما يشير إلى 5000 قتيل جراء هذه المذبحة البشعة. 

الإدانة.. لجنة كاهان وتقرير مهمل

اعترف تقرير لجنة كاهان الإسرائيلية، بمسؤولية بيجين وأعضاء حكومته وقادة جيشه عن مذبحة صبرا وشاتيلا، كما أقر تحمل آرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي، مسؤولية مباشرة عن المذبحة، خصوصًا أنه كان بالإمكان عدم وقوعها، لكنه تجاهل ذلك. إلا أن اللجنة اكتفت بتحميل النخبة الإسرائيلية المسؤولية غير المباشرة، مكتفية بطلب إقالة شارون وعدم التمديد لروفائيل إيتان رئيس الأركان، بعد انتهاء مدة خدمته في أبريل 1983. 

ولكن فجر تقرير سري مسرب، أرسل للبنتاجون، عن طريق الضابط وستون بيرنيت المسؤول بالأسطول الأمريكي، الذي كان يرسو قرب سواحل بيروت وقت المجزرة، أكد خلاله بالأدلة، على المسؤولية المباشرة للنخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، متسائلًا خلاله: "إذا لم تكن هذه هي جرائم الحرب، فما الذي يكون؟!".

الجرح ما زال ينزف

"أنا ضحية آرييل شارون الذى تركنى مشلولة ومدمرة"..  كلمات رددتها بوجع "الشهيدة الحية"، ذلك اللقب الذي أطلق على سعاد سرور المرعي، الناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا، إذ واصلت العيش بمعاناة داخلية وخارجية بسبب تلك المجزرة الغادرة، تحلم وتصبو إلى انتصار العدالة على الجريمة ضد الإنسانية التي اقترفت في صبرا وشاتيلا عام 1982.

تحكى سعاد تفاصيل أسود أيام حياتها، في حوار سابق مع جريدة "الشرق الأوسط": "بدأت القصة معي في يوم 16 سبتمبر، عندما كنت مع أخي ماهر، وكان عمري وقتها 14 عامًا، متجهة إلى أحد الملاجئ فرأيت على الطريق جثثًا ممددة ودمًا ينزف منها، وسمعنا أنينًا ونحيبًا وأصواتًا تقول: (لقد ذبحونا وقتلونا واغتصبوا البنات)، وتتوسل الأصوات الجميع بالهرب من البيوت لأنهم سيعودون ويقتلون جميع من في المخيم (وتبكي). في اليوم التالي سمعنا باب بيتنا يطرق، فقال أبي: من الطارق؟ أجابوا: نحن إسرائيليون نريد أن نفتش البيت". 

وتتابع مستعيدة لحظات قاسية وكأن أصوات الرصاص تخترق أذنيها وتمزق أنسجة قبلها وجعًا: "رأينا عند فتح الباب 13 مسلحًا دخل بعضهم وطوق البعض الآخر البيت.. وبعد أخذ ورد، أمرونا بالدخول إلى إحدى الغرف وأن ندير وجوهنا إلى الحائط وأن لا نلتفت إلى الخلف.. وعندما رفعت أختي الصغيرة وعمرها سنة ونصف، يديها، طالبة من أمي أن تحملها بدؤوا بإطلاق النار علينا فأصيبت أختي برصاصة في رأسها وأصيب أبي في صدره، لكنه لم يمت، أما إخوتي شادي، 3 سنوات، وفريد، 8 سنوات، وبسام، 11 سنة، وهاجر، 7 سنوات، وشادية، سنة ونصف، وكذلك جارتنا التي كانت معنا في البيت فقد فارقوا الحياة. أختي نهاد، 16 سنة، وأمي أصيبتا إصابات غير قاتلة". 

الذاكرة تخنق كلمات "الشهيدة الحية"، لكنها قاومت وأكملت: "لم ينجُ من عائلتي سوى أخي ماهر، 12 سنة، وإسماعيل، 9 سنوات، لأنهما اختبآ؛ أما أنا فقد أصبت بالشلل فورًا ولم أعد قادرة على الحركة، وتركونا في بحر دمائنا، إلى أن عاد إلينا في اليوم الثاني في الساعة العاشرة صباحًا ثلاثة مسلحين من الذين أبادوا أسرتي، للنشل وأخذ الأموال التي نسوها بالأمس في البيت، وشاهدوني أتحرك وأحاول الاقتراب من والدي الذي ما زال على قيد الحياة، فاغتصبوني الواحد تلو الآخر أمام أعين والدي، ثم أطلقوا النار ثانية عليّ فأصابوني في يدي اليسرى، وبكى أبي من ذلك المشهد وفارق الحياة. ويتواصل عنائي إلى أن عثر عليّ هؤلاء السفاحون بعد عدة أيام داخل سيارة إسعاف تقلني إلى مستشفى وأنزلوني وتم اغتصابي مرة أخرى".

المصدر التحرير الإخبـاري

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق